الأربعاء، 25 نوفمبر 2020

ثورات وثروات: وما خفي كان أعظم ...!

   

تدوين: يحيى السلماني

تتصدّر الصراعات السياسية قائمة نشرات الأخبار في مُختلف القنوات الفضائية، وتفرد لها مساحات واسعة في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية (المطبوعة والإلكترونية)، تُناقش فيها بإسهاب الدوافع الأساسية لهذه الصراعات المُزمنة التي طالما ما تنتهي بحروب دمويّة طاحنة تقضي على البشر والشجر والحجر، ألا أن غالبية هذه النشرات والتقارير الإخبارية، حسب مُتابعتنا اليومية، تُركّز على تغطية مواقع القواعد العسكرية (المُتحالفة)، وتتعطشّ لإبراز صفقات التسلّح، وتستميت في الترويج والتقريض للحراكات الدُبلوماسية التي أغلبها ما تكون كاذبة ومُلفّقة ومموّهة. في المُقابل، لا تُعطي التغطية الإعلامية ذات الاهتمام للاثار المأساوية التي تُخلّفها الحروب وتُلقي بظلالها على صحة الإنسان ومُحيط بيئته، وبهذا نجدُ أن مشاهد تتعّلق بهموم الإنسان وتدهور عناصر البيئة الطبيعية باتت "تتذيّل" قائمة أجندة نشرات الأخبار في القنوات الفضائية، وغالبا ما يُفضّل مُحررّي الصحف نشرها "مُنزوية" في زوايا إحدى الصفحات الداخلية لصحافتنا العربية.

منذ عقود وبلداننا العربية ترزح تحت وطأة الحروب المُدمّرة، وتتجشّم العناء للتخلص من أزمات الصراعات السياسية، وإن كانت أسباب اندلاع هذه الصراعات والحروب تختلف من بلد إلى اخر، ألا أنها تجتمع في أن غالبيتها تلتقي في نقاط التنافس على النفوذ السياسي، وتتقاطع معظمها مع مصالح التحكّم على مداخل المواقع الاستراتيجية والاقتصادية لهذه البلدان، وبهذا التوجّه "البرجماتي" الصرف أضحى عالمنا العربي مُتشرذم، يتامر على بعضه البعض، تُبالغ حكومات بعض من هذه الدول وميليشياتها في تخصيص أوراقها النقدية من فئة "المليارات" لتطريح وإرباك تطلعّات الشعوب ثم إفساد امالها بمستقبل حياة أفضل، والمُضحك المُبكي أن تتحصّن نُخبنا "الاستبدادية" وتستجير نهاراً جهاراً، بالعدوّ من غدر الجار العربي، حتى بات يصدق فيها قول الإمام الشافعي "ويأكل بعضنا بعضاً عيانا".

ويُعزّز هذه الصراعات الدامية التي يقف ورائها من يقف من "سماسرة" الحروب، الدعم اللوجستي غير المسبوق الذي تتكفّل برعايته الدول الغربية، وتجتهد كما عهدناها دائماً، وتعمل بجدّية على إطالة أمد هذه النزاعات والحروب لتتسيّد الموقف توافقاً مع سياسة "فرّق تسد"، وهي سياسة قد يرى البعض أنها مُستحدثة، ألا أنها سياسة قديمة قدم التاريخ السياسي للشعوب، فقد اتبعها "السومريون والمصريون واليونانيون القدماء لتفكيك قوى أعدائهم، وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها داخليا واحدة ضد الأخرى"، وتسير القوى الحديثة اليوم على ذات النهج فتروّج بسياستها الوقحة هذه "صفقات" التسلّح، وتُازر "صفعات" التفرّق والشتات، وبإطالة أمد الحروب الطاحنة، ومطّ فتراتها الزمنية قدر الإمكان، تتراجع دُولنا العربية مئات بل الاف الخطوات في شتى مجالات الحياة العلمية والصحية والبيئية، ويتهالك وضعها الاقتصادي، ويوهن ثقلها السياسي لتبقى دولٌ ضعيفة هزيلة مُتمزّقة تابعة مُنقادة تنصاع لأوامر وتوجيهات "ثلّة" من رؤوس تلك الدول المُنافقة المراوغة والمحتالة التي تظهر أمام الجميع بأنها تلعب دور الداعم و"الوسيط" السياسي، وتطلّ أمام وسائل الإعلام في مؤتمرات صحفيّة "مُبتدعة" وكأن مفاتيح الحلول لهذه الصراعات الدامية لا يُمكن تحقيقها واكتسابها إلا بتقديم تنازلات مادّية ولوجستية تتقصدّها لإذلال وإخناع حكومات دولنا العربية "المُنبطحة" واحتقار وازدراء شعوبها "اليائسة" التي تعيش البؤس بعد البؤس.

وإذا ما تنبّهناّ إلى أن الحروب أضحت أكثر جهامة وقساوة على الإنسان فهي في ذات الوقت أشدّ فظاظة وصلابة على البيئة وعناصرها الأحيائية، وإذا ما تيّقننا بأن جميع المواثيق الدولية "تُحرّم" الاستعانة بجميع أنواع الأسلحة الضارّة بالبيئة، واعتبار الإضرار المُتعمّد بعناصرها الطبيعية أحد الجرائم ضد الإنسانية، إذاً ما الذي يدفع وسائل إعلامنا العربي إلى التراجع عن طرح الماسي الانسانية والمشاكل البيئية الناجمة عن الحروب المُشتعلة بالمنطقة بشفافية، ووضعها في أولويات القائمة الإخبارية؟ حتى لدرجة أن برامج "الكُوميديا السوداء" التي عولنّا عليها الكثير أصابتنا بالخيبة والإحباط لتغافلها الشأنين الإنساني والبيئي وتشاغلها بالتساخر على رموز الأنظمة ممن "تحكّموا فاستطالوا في تحكّمهم"، والتندّر على زبانيتهم.    

وبشكل أكثر دقّة، يشير تقرير صادر عن برنامج الامم المتحدة للبيئة في نوفمبر 2018م إلى أنه على مدار أكثر من ستة عقود، وقعت نزاعات مُسلحة في "أكثر من ثلثي مناطق التنوع البيولوجي في العالم"، وبهذا وفي العام 2001م، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم السادس من نوفمبر "اليوم الدُولي لمنع استغلال البيئة في الحروب والنزاعات المسلحة"، وفي السابع والعشرين من شهر مايو من عام 2016م اعتمدت الجمعية قرارًا يعترف "بدور النظم البيئية الصحية والموارد المدارة بشكل مستدام في الحد من مخاطر النزاعات المسلحة، وأكدت من جديد التزامها بالتنفيذ الكامل لأهداف التنمية المستدامة". لكن، ما جدوى هذا القرار إن لم يتم مُتابعة تطبيقه على أرض الواقع؟

 لا يخفى على أحد من أن صفقات تجارة السلاح تُعدّ من أغلى الصفقات رواجاً في العالم بسبب الحروب والنزاعات المحلية والدولية وفي مقدمتها نزاعات الشرق الشرق الأوسط، ويُقدّر الخبراء في معهد "سيبري" الدولي لأبحاث السلام في إستوكهولم "أن صرف جزء صغير من أموالها يكفي لحل مشاكل الفقر والبطالة في العالم بأكمله". وتشير البيانات الواردة في بيان هذا المعهد  بأن صادرات الأسلحة "الأمريكية والروسية والفرنسية والألمانية والصينية تُقدّر بعشرات المليارات سنوياً، وتستحوذ على ثلاثة أرباع صادرات العالم"، وما يهمنا هنا هو أن "كمية السلاح الذي استوردته بلدان الشرق الأوسط إزداد بأكثر من الضعف ما بين عامي 2013-2017، إذ استحوذت مجتمعة على ثلاثة أرباع صادرات العالم"،حسب البيانات الصادرة عن معهد "سيبري".

وبنظرة سريعة على أثر الحروب على الإنسان والبيئة، نجد أن الأراضي الفيتنامية وغاباتها أبادتها القوات الأمريكية خلال الحرب الفيتنامية بهدف حرمان مُقاتلي (الفيتكونغ) من الغطاء النباتي الذي مكّنهم من شنّ هجمات ضدها، وفي النزاعات الدموية المسلحة في الكونغو خلال منتصف التسعينات "أبيدت الاف من الأحياء البرية التي كانت مصدراً للحصول على لحوم حيوانات الأدغال للمقاتلين والمدنيين الذين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة"، كما دمرّت النزاعات "95% من الغابات في أفغانستان"، لكن المؤسف أننا لم نستفد من تلك الدروس.   

في الجانب الاخر، لم يكن الإنسان في منأى عن الاثار المؤلمة التي تخلفها هذه النزاعات، واليوم تزدحم مخيمات اللاجئين بماسي عشرات الاف من الأسر يتهاوى أمامها أمل الحياة، حيث يضطّر عشرات الالاف من البشر إلى الفرار مُشكّلين هجرات جماعية غير منتظمة للاحتماء بدول الجوار من ويلات الصراعات والحروب، وهو ما يؤكّد مصداقية تنبؤات (ماركوس) قائد الثورة في جنوب المسكيك، الذي صرّح قبيل نحو عقدين: "إن الحرب العالمية الثالثة ستكون حرباً ضد اللاجئين"، وحسب المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، "فإن مايقرب من سبعة الاف نازحاً قضوا غرقاً في البحر الأبيض المتوسط خلال عامي 2016م و 2017م، ومع حلول نهاية عام 2018م شُرّد أكثر من 70 مليون إنسان من أوطانهم في جميع أنحاء العالم بسبب الصراع والاضطهاد. ويوجد بين أولئك المشردين ما يقرب من 30 مليون لاجئ، وهو التدفق الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية". وفي ظل تفاقم «أزمة» اللاجئين، شُيّد حتى الآن 14 جداراً بين أوروبا ومحيطها، وصار الجدار الأمريكي مع المسكيك من أولويات الحكومة الأمريكية. وبهذا فقد وصل عدد اللاجئين حول العالم أعلى مستوى له تاريخياً حسب المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وفي مناسبة "اليوم العالمي للاجئين" الذي يصادف 20 يونيو من كل عام أشار أنطونيو عوتيريش، الأمين العام للامم المتحدة إلى أن "في هذا العام، تُشكّل جائحة كوفيد-19 تهديداً إضافياً للاجئين والمُشرّدين، لقد اضطر ما يقرب من 80 مليون امرأة وطفل ورجل في العالم إلى ترك ديارهم ليصبحوا لاجئين أو مشردين داخلياً".

تاريخياً، يُعتبر منح حق اللجوء للأشخاص الفارين من الاضطهاد في بلدان أجنبية من أقدم السمات المميّزة للحضارة. فقد تمّ العثور على نصوص تدلّ على اللجوء مكتوبة منذ 3,500 سنة، وذلك أثناء حقبة ازدهار أولى الإمبراطوريات الكبرى في الشرق الأوسط مثل البابليين والآشوريين والمصريين القدماء. وبعد أكثر من ثلاثة آلاف سنة، باتت حماية اللاجئين تُشكّل الأولوية للمفوضيّة السامية للأمم المتحدة للاجئين، وتوضح اتفاقية عام 1951م أن اللاجئ هو كل من وُجد "بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية، خارج البلاد التي يحمل جنسيتها، ولا يستطيع أو لا يرغب في حماية ذلك البلد بسبب هذا الخوف"، لكن ما هو حال لاجئي الحروب بالبلدان العربية، جماعات محرومة يُقاسون من مرارة العيش وضبابية المستقبل؟

حالة الوضع العربي الراهن ليست بحاجة إلى أجهزة مخبرية لتفحصّها، فالحروب الناشبة في اليمن والمُستعرة في سوريا، والمتأججّة في ليبيا، والمضطرمة في شبه الجزيرة العربية والعراق، والصراعات الطائفية في لبنان، والحراكات الشعبيّة المُحتدمة في الأردن ومصر والسودان وتونس والجزائر والمغرب، وتردّي الاحوال السياسية والاقتصادية في كل هذه البلدان ظاهرة للعيان، وهناك غزارة من الدراسات التحليلية والتقارير الإعلامية التي ثابرت لاستقراء وضع الدول العربية الحالي والمستقبلي، ونحن هُنا لا نود الاسترسال في الحديث عن السبب والمُتسببّ في مُختلف الصراعات العربية، بقدر ما نود إلقاء حزمة من الضوء على نماذج أثر الصراعات السياسية (ثورات وحروب) على صحة الإنسان وسلامة البيئة المُحيطة به.  

في تقرير "دراماتيكي" بثّته قناة (العربي) الإخبارية ببرنامجها اليومي (شبابيك)، أوجز حجم المُعاناة الإنسانية التي بات اللبنانيون يُقاسون منها جرّاء النزاعات الطائفية التي تمتدّ لعقود، كان بالنسبة لنا أمرٌ مُلفتٌ للنظر أن نُشاهد إمرأة لبنانية حاصلة على مستوى أكاديمي عالي تضطرّ بالقبول أن تعمل بوظيفة "عاملة نظافة" في شوارع بيروت بأجر يومي يوزاي خمسة دولارات في اليوم. إنها تراكمات لأنواع الفساد السياسي والإداري والمالي المُستشري في مفاصل الدولة اللبنانية التي خلّفت محن ليس لدى المواطن اللبناني خيار اخر إلا أن يتحمّل تبعاتها. هذه المحن التي تتوالى على لبنان منذ عقود يبدو أنها مُتواصلة ولن تتوقف، كان اخرها ما حدث في الرابع من شهر أغسطس الماضي، عندما دوى إنفجار ضخم هزّ العاصمة بيروت ناتج عن وجود "مواد نيترات الأمونيوم (TNT )  مُخزنّة في العنبر رقم 12 بالمرفأ البحري. وحتى قبل هذا الانفجار الكارثي الذي تسبّب في "وفاة ما يقرب من مائتين شخص وجرح نحو ستة الاف"، كان لُبنان يُعاني من أزمة إقتصادية حادّة "ارتفع فيها مستوى الفقر إلى 40%"، ومع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية، لم يكن بمقدور أبناء لبنان على توفير مُستلزمات الحياة اليومية من غذاء ومأوى صحي، وتعليم، أدّى كل ذلك إلى ارتفاع مُعدّل الهجرة، فقد وصل عدد المُهاجرين إلى "72 ألف لبناني كل عام"، وهو ما لم يعرفه لبنان في تاريخه حسب المراقبين الديموغرافيين. وبعيداً عن الماسي الانسانية والبيئية التي يعيشها لبنان لأسباب تواصل أمد الحروب والنزاعات الطائفية فهي تعاني منذ سنوات قضية إغراق مدينة بيروت بالاف الأطنان من النفايات، فخلال السنوات الخمس الأخيرة تكدّست النفايات في شوارع المدينة الجميلة وملأت المخلفات وشوّهت طرقاتها وأزقتها، وهو دليل فشل الحكومة اللبنانية الذريع في إدارة أزمة النفايات، بسبب اعتمادها على حلول آنية وغياب خطة مُستدامة.  

وتوضّح التقارير أن أزمات لبنان لا تقتصر على النزاعات الداخلية بل تُشير إلى أن الكيان الصهيوني (إسرائيل) خلال حربه على لبنان في عام 2006م  بعدما قصفت طائراته الحربية محطة كهرباء بجنوب لبنان أدى إلى "تسرّب أكثر من 15 ألف طن من زيت الوقود وانتشارها بطول 150 كم قبالة السواحل اللبنانية والسورية"، وفي حربه على قطاع غزة في عام 2009م ألقى الكيان الصهيوني "ما يعادل ثلاثة ملايين كغم من المُتفجرات تحتوي على مادة الفسفور الأبيض على مساحة صغيرة لا تزيد على 400 كم مربع".

ليس بعيداً عن لبنان الجريح، فقد كُتب للعراق الألم ولشعبه الشقاء، فمنذ استقلاله وخلاصه من براثن الانتداب البريطاني في عام 1932م لم تتوقف مُؤامرات الاغتيالات وتوالت عليه الحروب والنزاعات، كان من أهم محطاتها الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينات، ثم دخول العراق في أزمة فُجائية مع جارته الكويت، ثم معاناة العراق من أزمة "النفط مُقابل الغذاء" في عقد التسعينات، لتتواصل المأساة باحتلال القوات الأمريكية العراق في بداية الألفية الثانية، وتُستنزف جميع ثرواته (بشرية وبيئية). وتشير المصادر إلى أن أكبر كارثة نفط بالتاريخ حدثت عندما غزا العراق الكويت عام 1990م، حيث حُرقت "أكثر من 613 من ابار النفط وانفجرت 67 بئراً أخرى، وقدّرت كمية النفط المحترق بما يعادل 8 مليون برميل ومائة مليون متر مكعب من الغاز". وبهذا فقد تسرب النفط إلى الأرض والبحر وتلوّث الهواء بالدخان، وتأثّرت مختلف أنواع الحياة الفطرية حيث نُفقت الأسماك والسلاحف والدلافين وتدهورت بيئات الشعاب المرجانية والأهوار وغادرت الطيور أعشاشها وتلفت النباتات والأشجار. وتُلفت التقارير البيئية النظر إلى أن "أكثر من 70 في المئة من الأراضي الزراعية تعرضّت للتلوث والتدمير، وتراجعت أعداد النخيل من 30 مليون نخلة إلى نحو عشرة ملايين، وتذكر الدراسات البيئية أن تأثيرات حرق الابار النفطية شمل دول المنطقة برمّتها، ويُقال أنها "وصلت إلى جبال الهمالايا". من جانبه، فقد وصف الدكتور إسماعيل مدني (الأكاديمي والكاتب البحريني) الانعكاسات السلبية الناجمة عن حرب الخليج  الأولى والثانية قائلاً: "أن الدخان الأسود قد حوّل نهار الخليج إلى ليل مُعتم والامطار الدُهنيّة السوداء كانت من الظواهر الغريبة التي لم يرها سكان البحرين من قبل".  

وفي دراسة بحثيّة، قدّرت مُنظمة الأمم المتحدة أنه في الحرب على العراق عام 2003م استخدامت الولايات المتحدة وبريطانيا "ما يتراوح بين 1100 – 2200 طن من اليورانيوم المنضّب"، وهو ما أدى إلى انتشار "غبار إشعاعي" لوّث التربة والهواء، وشكّل تهديداً إشعاعياً خطيراً على صحة الإنسان والبيئة". وتشير التقارير إلى أن "هناك أكثر من 70 ألف عراقي قُتلوا نتيجة الألغام الأرضية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ووصل عدد الأيتام إلى مايزيد عن أربعة ملايين، وعدد الأرامل إلى ثمانية ملايين، وهناك أكثر من 3.6 ملايين مُعاق، بالإضافة إلى وجود 90 منطقة ملوثة إشعاعياً في جنوب العراق بسبب اليورانيوم المنضّب الذي استخدمته قوات التحالف إبّان غزو العراق"، فيما ارتفعت نسبة الوفيات بسبب الإصابة بالسرطان الناتج عن استخدام اليورانيوم المنضب إلى 75 في المئة بعد العام 2003". 

وفي سوريا، وصل عدد قتلى النزاع المسلح إلى أكثر من 250 ألف شخص، كما أصيب أكثر من مليون شخص، وشُرّد نصف السكان، وحسب منظمة الصحة العالمية فقد تدهورت خدمات الرعاية الصحية وقضى كثير من الأطفال نحبهم لاسباب سوء التغذية والحرق العشوائي لمخميات اللاجئين وهناك من هم ينامون في العراء دون مأكل ولا مأوى، وبسبب الحرب انخفض الانتاج الزراعي والحيواني وتقلّصت مساحات الاراضي المرويّة إلى 49 % وتعرضت إمدادات المياه للقطع واتبعت في الحرب سياسات التعطيش  وأصبح 70% من السكان لا يستطيعون الحصول على مياه صالحة للشرب، وهو ما اضطر البعض لشرب مياه الابار الملوثة، مما زاد من حدة امراض الاصابة بالاتهاب الكبدي الوبائي، واسهمت حركة الاليات العسكرية الثقيلة في تعرية التربة والقضاء على الغطاء النباتي. وتشير الدراسة إلى أن أم الغابات السورية تتعرض للحرق حيث قضت على أكثر من 50% من مساحات الغابات بسبب القصف العسكري والاحتطاب الجائر لاستخدامات الغابات للتدفئة وصناعة الفحم، كما تتعرض الحيوانات البرية مثل المها العربي والغزلان والطيور إلى الصيد الجائير أيضا.   

وإذا ما وليّنا بوجهنا نحو جنوب شبه الجزيرة العربية، تترائى لنا مأساة الإنسان والبيئة في أرجاء اليمن السعيد، وتجاوزاً لحالة عجز قطاع الخدمات عن التخلص من النفايات بالشكل السليم، وإضطرارهم إلى حرقها في الحارات وفي ساحات المُجمعات السكنية والتجارية، فهناك ما هو أدهي وأمّر يتمثل في  تسجيلها مُستويات غير مسبوقة في حالات الفقر والبَطالة والأُمِّية، وسوء التغذية. والتقارير الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة يُحذّر من أن اليمن أصبح على "شفير المجاعة"، حسث وصل عدد الأشخاص الذين إنعدام الأمن الغذائي إلى ما يقرب من خمسة ملايين شخص،  ومستوى الفقر "قفَز من 42 % إلى 54.5 % ، وبسبب النزاع فقَد أكثرُ من 1.8 مليون طفلٍ في سن الدراسة إمكانَ الوصول إلى المدرسة؛ وقد تم إغلاق ما يقرب من أربعة الاف مدرسة، وأدّى هذا عدم تمكّن ما يقرب من ثلاثة ملايين طفل يمني (47& من تلامذة المدرسة) من تلقّي تعليمهم،  وفي تقرير أخباري بثته قناة ال (بي بي سي الناطقة بالعربية) في  أكتوبر الماضي، شاهدتُ شخصياً حجم المُعاناة التي يعاني منها أهالي مدينة تعز حيث يدرسون أبنائهم في مدارس مُتهالكة تهدّمت أجزاء كثيرة من مرافقها بسبب شدة القصف الجوي، تفتقد إلى الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، ويتطّوع أهالي المدينة ليس بتدريس أبنائهم بل مساعدتهم في شراء حاجياتهم المدرسية ريثما توفر لهم ذلك. ووفقاً للتقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) يُعاني نحو مليوني طفل من سوء التغذية، وتُعاني المرأة اليمنية من مخاطر التحرّش والعنف الجنسي، ووفقاً لمفوّضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين فقد "فرّ أكثر من 190 ألف يمني من اليمن في بداية الصراع في مارس 2015، لجأ بعضهم إلى منطقة القرن الأفريقي بسبب قربها الجغرافي"، وهذه الأرقام المُقلقة هي بمثابة نداء "إستغاثة عاجلة" للعالم.  

وفي الشأن البيئي، وحسب التقارير الدولية فإن الحرب الدائرة باليمن ساهمت في تهديد عناصر الحياة الفطرية، ففي ظل ضعف الرقابة البيئية والانفلات الأمني، الذي نتج عنه تراخ في تطبيق التشريعات البيئية، تزايدت عمليات  الصيد الجائر للحيوانات البريّة المُهدّدة بالانقراض، من بينها النمور والفهود والغزلان والوعول، وبسبب الوضع الاقتصادي المُزري الذي يعيشه اليمنيون جرّ الكثير منهم إلى المُتاجرة بالحيوانات والطيور والنباتات البريّة.

وفي شمال أفريقيا، عاشت الجزائر خلال عقد التسعينات أزمة النزاعات المُسلّحة عُرفت ب"العشرية السوداء"، لا يُمكننا نسيان أحداثها الدموية حيث "راح ضحيتها 200 ألف جزائري، واعتقل فيها العشرات ممن زُجّ بهم في المُعتقلات، وقد وصفتهم منظمة حقوقية أهلية جزائرية ب"بالموتى الأحياء" لتعرضّهم لأمراض مُزمنة من بينها فقدان الذاكرة، وقد وصلت نسبة البطالة بين الشباب الجزائري 90%، والجزائر صاحبة أكبر احتياطي للمياه الجوفية تُعاني اليوم من العطش، وهو ما دفع بالجزائرين إلى الدعوة لحراك 2019م الذي لم يُحقّق جميع الأهداف المرجوة منه. 

وبحجم الاثار التي ترتّبت على الصراع المُسلح في الجزائر لم تُبدي حكومات جاراتها في شمال افريقيا أي اهتمام، فأشعلت تونس الخضراء "شمعة" ما أطلق عليه "الربيع العربي"، بعدما أضرم الشاب التونسي "أبو عزيزي" في 17 من ديسمبرم 2010م النار بجسده بسبب سوء الأوضاع الإقتصادية، ليتحوّل الشاب "أبو عزيز" إلى رمز لثورات الشعوب العربية ضدّ الظلم والفساد. ثم تتابعت ارتدادات هذه الثورة لتصل إلى جارتها ليبيا، للمطالبة بتنحّي العقيد القذافي، مثلما تنحّى قبله الرئيس المصري السابق حسني مبارك، مُؤكدين حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلميّة دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام. وبعد أن أُسدل الستار في 20 أكتوبر 2011 على نظام القذافي بإعلان إغتياله، بعد حكم دام 42 عاماً، عاشت ليبيا فوضى سياسية واقتصادية واجتماعية، ووفقا لتقارير الأمم المتحدة يحتاج ما يقدر بحوالي "مليونين ليبي إلى مساعدةٍ إنسانيةٍ عاجلة لتلبية احتياجات رعايتِهم الصحِّيةِ والغذائيةالأساسية"، بسبب اكتظاظ العديد من المستشفيات والتدنّي الكبير في قدراتها، ومواجهتها نقصًا حادًّا في الأدوية واللَّقّاحات والمُعِدّات الطِّبِّية، ناهيك عن الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، وتذكر المصادر بأنه "يوجد 250 الف مُهاجر ليبي يُواجهون الاعتقالات التعسفية والعمل القسري والاعتداءات الجنسية والاستغلال والابتزاز، وقد شهد عام 2015م غرق 2000 مهاجر في البحر الأبيض المتوسط خلال سعيهم البائس لعبور البحر وصولا إلى سواحل القارة الأوروبية".  

قُصارى القول: في زماننا العربي الراهن تتشابه مُعاناتنا الإنسانية والبيئية، زماننا مُكتنزٌ بالفواجع والمصائب والجوائح والمحن، وهذه ليست إلا إطلالة عابرة على بعض من أوضاعنا الراهنة التي تُبرهن على الحقائق المُرّة التي نعيشها ونحاول التعايش معها، ففي المشرق العربي وفي مغربه ما تزال حكومات دولنا تتنازع فيما بينها، ورُقع التنازع تتمدّد، والأخبار التي تتصدّر المشهد السياسي الحالي من إقليم تيغراي في أثيوبيا وإقليم الصحراء المغربية الذي يشهد توتراً بين المغرب وجبهة البوليساريو خير دليل على صدق ما نقول، وحكومات دولنا تعيش أسوأ أحوالها الاقتصادية بعدما تحوّلت من دول "فائض" إلى دول "عجز وديون"، والإنسان العربي بات هو "كبش الفداء" الذي يتحمّل تبعات هذا العجز ليعيش بين جماعات (ليس مجتمعات) مُشتّته ومُتنابذة تتفشى فيما بينها البطالة، وتتنامى مُعدّلات الأميّة، وتتزايد موجات الهجرات والتشّرد، وتفتقد بيئتنا العربية لعناصرها الأحيائية، وفي ظل هذا الوضع المتأزّم، تنزوي جامعة الدول العربية بنفسها وتحبس أنفاسها، وتبقى، كما ألفناها منذ نشأتها، في وضع المُتفرّج، تُصيغ بيانات التنديد، وتحوّل قاعاتها المنقوش على حيطانها ايات من الذكر الحكيم تدعو على الوحدة والاعتصام بحبل الله، تحولها إلى "أوكار" للمُؤامرات وحياكة قصص جديدة للتامر بين ساسة الأنظمة العربية، وتُبارك سياسات "التطبيع" مع العدو الصهيوني التي كانت على مدى عقود تُبرز كعلاقات "غرامية سريّة"، يحدث كل ذلك الان علناً على مرأى ومسمع الصغير والكبير دون استحياء أو تحسّب، عوضاً عن الخروج برؤية جامعة وموّحدة توقف نزيف "الجُرح العربي" الذي طال مداه وأمده من الخليج إلى المُحيط.

نحن نعلم من أن الكثير من زُملاء المهنة قد أطلقوا العنان لأقلامهم وأصواتهم، فزّج بهم في مُعتقلات وزنازين "المُستبدّ"، ومنهم من لم يبخلوا بالتضحية بحياتهم واثروا الاستشهاد وموارات أجسادهم وأرواحهم تُراب ساحات القتال، ألا أنه حريٌ بنا من أن نوضّح رُؤيتنا كمتابعين مُتخصصين في مجال الصحافة البيئية بأن  ضعف (أو رُبما غياب) التغطية الصحفية للاثار الإنسانية والبيئية للحروب نرجعها لعدة أسباب: يكمن أولها في غياب الصحافة المتخصصة، ويتمثل ثانيها في "فتور" الحسّ البيئي لدى القائمين على تحرير النشرات الاخبارية، نضف إلى ذلك بُعداً اخر يتمثّل في تضييق هامش الحريات الاعلامية ومنع الصحافة من الولوج إلى مواقع الصراع والحصول على بيانات دقيقة تُعينهم على صياغة المحتوى الخبري الشفّاف لهده النزاعات، علاوة على تمكّن بعض الأنظمة من تحويل أجهزتها الإعلامية إلى أدوات "قمع" لم يعد لطغيانها حد ولا مدى. والسؤال المُلحّ هنا: هل لدى حكومات دولنا بصيص أمل للخروج من هذا السقوط الإعلامي المُخزي المُهين والتيهان السياسي الذي يفضي إلى فوضى إنسانية وبيئية لم يسبق لها مثيل؟ ألم يخطر على بال أحدهم بما سُئل به أحد حكماء بني أميّة: كيف سقطت دولتكم؟ قال: "أمور صغار سلمناها لكبار، وأمور كبار سلمناها لصغار، فضعنا بين إفراط وتفريط، قرّبنا العدو طمعاً في كسب ودّه، وبعدنا الصديق ضامنين ولاءه، فنالنا غدر الأول وخسرنا ولاء الثاني"، ومتى سيعمل قادتنا بما نصح به المُتنبي: "من يهن يسهل الهوان عليه" وينظرون إلى حكمته بشيء من الجديّة والتعقّل؟.

هذا هو الحال الذي الت إليه ثرواتنا العربية (بشرية وبيئية)، وهذا هو وضع إعلامنا "المُدبّر"، ويبقى ما طرحناه في هذه المدونة "غيضٌ من فيض"، فكؤوس حكومات بُلداننا العربية ما تزال مُمتلئة بالعجائب والغرائب والفتن والمحن والرزايا، وما خفي أعظم، والأيام القادمة حبلى بالكثير والكثير من المُؤامرات والقصص الأخبارية...!.  

الأربعاء، 30 سبتمبر 2020

قراءة في "مزرعة الحيوانات" ...!

 

تدوين: يحيى السلماني

تُؤكّد أحدث الدراسات الأمريكية على أن انجذاب الإنسان إلى الحيوان "يُعتبر ميلاً فطريًا مُلازمًا لطبيعة بني البشر"، وتستدّل البحوث الاجتماعية في ذلك على "أن الأطفال من عمر السنة إلى الثلاث سنوات، يسعدون بالتواصل مع الحيوانات الأليفة، أكثر من اللّعب بالدّمى التي بحوزتهم، هذا في حال مُنحوا حرّية الاختيار". كما أن البحوث التربوية تُشير إلى أن تربية الحيوانات ترتبط بالثقافة الإجتماعيّة، وبهذا، فإن اهتمام الإنسان بالحيوان "يعتمد بالدرجة الأولى على التنشئة التربوية، والمحيط الإجتماعي، والخبرة الشخصيّة"، وتُدلل الدراسات على مصداقية ذلك في: "أن التعلّق بالكلاب يعتبر حالة شائعة في الدول الغربية، في الوقت الذي نجد فيه أن سكّان دول أخرى تعتبرها حيوانات قذرة".

في المُقابل، تُؤكّد المراجع الأدبية مدى اهتمام الإنسان بهذا الجانب منذ أمد بعيد، ويُعتبر كتاب (كليلة و دمنة) الذي ترجمه الأديب العربي عبدالله بن المقفع خيُر شاهد على ذلك، حيث تُروَى قصص هذا الكتاب على ألسنة الحيوانات والطيور، كما يُعدّ كتاب "الحيوان" للجاحظ أول كتاب جامع يوثّق أحوال العرب وعاداتهم، وتُمثّل قصص الأمثال ومعلقّات الشعر الجاهلي للنابغة الذبياني والأعشى، وعشرات من الايات القرانية الكريمة رموزاً لمضامين قصص ودروس عديدة، كما نجد ذات الاهتمام الأدبي عند اليونان في كتابات "إيسوب الحكيم"، جميها تستخدم الرمز للتعبير عن الأوضاع السياسية والاجتماعية بأسلوب تغلب عليه السُخرية، وهناك العديد من الأعمال الأدبية التي صدرت لتحكي مأساة الإنسان الاجتماعية وقضاياه السياسية على لسان الحيوانات في قالب دراماتيكيّ ساخر لا يتّسع المجال لذكرها هنا.    

في المُجمل، أنّ ما يدعو القارئ للتأمل في محتوى هذه المراجع الأدبية هو: أن جميع الحيوانات ترمز إلى شخصيات بشرية وهي تحكي قصة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحثّ في مجملها على ضرورة التمسّك بالأخلاق وملازمة العادات والمبادئ الحسنة، لكن بعد كل تلك القراءات، يتوجّس المُطّلع بعض الاسئلة: إلى أي مدى يمكن للحيوانات أن تلعب نفس الدور الذي يُمارسه الإنسان بشكل مُتقن في مختلف مُجريات الحياة اليومية؟ وهل الحيوانات هي البديل الأنسب لسرد الأحداث اليومية على لسانها؟ نرى أن رواية "مزرعة الحيوانات" لكاتبها المتألق الأديب الإنجليزي جورج أورويل قد تُجيب على جزء كبير من هذه التساؤلات.

هذه الرواية التي نُشرت في عام 1945 م، عبّر عنها الراوي في إحدى رسائله أن ما جرّه إلى تأليفها  لتواجه" فشل المشاريع السياسية القمعية، وتُندّد بإرهاب الدولة..."، ففصول الرواية مُرتكزة على سخرية الطرح الذي يحكي عن كيفية قيام الثورات بطريقة مُقنعة، وهي في ذات الوقت تتكشفُ لقرّاءها في أحداث مُتسلسلة ومُشوّقة كيف للطُغاة القدرة في أن يتحكّموا في إدارة أذهان رعاياهم وإرادة شعوبهم، باتّباع أساليب التظليل تارة وممارسة سياسات التهديد تارة أخرى، كُل ذلك تدرجه الرواية في قالب دراماتيكي ساخر منتهجاً فيه كاتبها أسلوب "الكوميديا السوداء"، طالقاً العنان فيه للحيوانات لتُعّبر عن معاناتها اليومية بشكل رمزي.

حظيت الرواية باهتمام كبير من قبل مؤسسات النشر، فتُرجِمَت لأكثر من سبعين لُغة، تحكي في تفاصيلها عن مجموعة كبيرة من الحيوانات تعيش في مزرعة يمتلكها السيد "جونز" الذي كان "يقهرها بالسوط، ويبخل عليها في حصص الأكل". عندها قررت الحيوانات الثورة على الأوضاع البائسة ومُحاربة الأساليب القاهرة التي يمارسها مالك المزرعة، فاتفقت على التحرر من استبداد الإنسان، من خلال العمل على تسيير شؤون مزرعتها بالاعتماد على طاقاتها الذاتية، لتتمكّن من تجنب الضرر الذي يمارسه مالك المزرعة (الإنسان) في حقها بشكل يومي.    

وتبعاً لذلك، في إحدى الليالي المظلمة، اجتمع الخنزير العجوز "ميجر" بحيوانات المزرعة، فخطب فيهم قائلا: "أيها الرفاق، إننا نعيش حياة الكد، حياة البؤس، حياة قصيرة جدا، ما أن نأتي إلى العالم، يطعموننا ما نسد به رمقنا فقط، ومن يملك بيننا القوة يضطّر إلى العمل إلى أن يسلم الروح، وفي اللحظة التي نصبح فيها غير نافعين، يذبحوننا بوحشيّة مُفرطة، وما أن نمضي سنتنا الأولى على هذه الأرض، حتى يفتقد كل حيوان منّا معانى الراحة أو السعادة، وعندما يُرهقه الشقاء أو العبودبة، يصبح فاقداً للحرية، هذه هي الحقيقة البسيطة...".

ثم يتسائل في خطبته: "هل ينبغي أن نكون جميعا متساوين بقرار من الطبيعة؟ هل تعاني مزرعتنا من فقر مدقع حتى لا يستطيع أن يمنح للذين يقيمون فيها حياة كريمة؟ ... لماذا نحن خاملون في وضعية تثير الشفقة؟ الإنسان يسرق نتاج عملنا... الإنسان هو وحده عدوّنا الحقيقي، لنعمل على إزالته، وهكذا نستأصل جذور الشر.... الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستهلك دون أن ينتج، فهو لا يعطي الحليب، ولا يضع البيض، وهو واهن لدرجة أنه لا يستطيع دفع العربة، وبطيء بحيث لا يستطيع الإمساك بأرنب، ومع ذلك فهو سيّد كل الحيوانات، فهو يوزّع الأعمال بينهم، لكنه لا يمنحها بالمقابل إلا قوتاً يومياً هزيلا، ثم يحتفظ بالباقي لنفسه، من يحرث الأرض؟ نحن! من يخصبها؟ روثنا.....!".

كانت شخصية الخنزير العجوز "ميجر" حاضرة بقوة وهو يلقي خطبته التأنيبية على الحيوانات بألم، فتمكّن من إقناع الحيوانات بأن مصدر الام حياتها هو الإنسان، وبهذا حثّهم للعمل بجدّية ليلاً ونهاراً "لإسقاط الجنس البشري"، فاتفقوا جميعا على القيام بثورة، على أن "تسد بين الحيوانات وحدة مطلقة، وتضامن لا يشوبه أي تصدّع". وبعد أن أدرك العجوز "ميجر" ولاء جميع الحيوانات، عندها تنحنح وبدأ ينشد: "الإنسان الظالم مصادر، ستعرف حقولنا الخصب، نحن فقط من سيطؤها، لقد جاء يوم الخلاص".       

أثار هذا الغناء جذوة حماس بقيّة الحيوانات، وفي إحدى الليالي المظلمة، تمكنّت الحيوانات بقيادة الخنزير العجوز "ميجر" من طرد الإنسان الأناني "جونز"، ثم صاغت لنفسها نشيداً عنوانه "حيوانات أنجلترا" تقول فيه: "حيوانات إنجلترا، حيوانات كل أرض ومناخ، أصغوا إلى أخباري السارة، عن زمن المستقبل الذهبي...". ولم تكتف الحيوانات بذلك لإثبات هويتها الحيوانية، فثابرت في الأشهر الثلاثة الأولى إلى تعلم القراءة والكتابة، ثم عمدت إلى صياغة مبادئ خاصة للحيوانات "Animalism " أوجزتها في سبع وصايا:

الوصية الأولى: كُل من يسير على قدمين هو عدوّ، الوصية الثانية: كُل من يسير على أربعة أقدام وكل طائر هو صديق، الوصية الثالثة: يمنع على الحيوانات إرتداء الملابس، الوصية الرابعة: يُمنع على الحيوانات النوم فوق سرير، الوصية الخامسة: يُمنع على الحيوانات شرب الخمر، الوصية السادسة: يُمنع على الحيوانات قتل حيوان اخر، أمّا الوصية السابعة والأخيرة فأوصت بأنّ كُل الحيوانات مُتساوية.   

وبعد أن نجحت "الثورة" في تحقيق ماربها  بسرعة عجيبة، أجرت الحيوانات مسحاً دقيقاً لأروقة المزرعة لتتأكّد من عدم وجود أيّاً من بني البشر بداخلها، ثم أوصدت جميع المنافذ، وهمّت في التخلص من جميع الأدوات كالسكاكين التي كان يخصي بها الخنازير، ومن السلاسل التي كانت تُكبّل بها، ومن السياط التي تضرب بها، وصولاً إلى الشرائط الملوّنة التي كانت تستخدم من قبل مالك المزرعة في تزيين أعراف بعض الجياد بالمزرعة.

ثم عكفت حيوانات المزرعة على تصميم "علم الثورة"، لونه أخضر يرفع على عمود في مدخل المزرعة، يتضمن تصميمه "قرن وحافر"، يرمزان إلى قيام الجمهورية القادمة التي سيعلن فيها رسمياً انتصار الحيوانات على الجنس البشري. كما تم تحديد يوم الأحد يوم عطله، يقدم فيه الإفطار متأخرا ساعة عن الموعد المعتاد، بعد ذلك تبدأ "مراسيم الحفل" الذي سيتجدّد كل أسبوع، كما أسسّت الحيوانات لنفسها "مجلس" – يوازي نفس المجالس الاستشارية التي نراها اليوم جزءا من مؤسسات الدولة الحديثة - تُناقش فيه شؤون المزرعة بشكل ديمقراطي عن طريق "إدلاء الأصوات" في حالة عدم الاتفاق، كما تم تنظيم جميع الحيوانات في مجموعة من اللجان: شكل للدواجن لجنة إنتاج البيض، وللأبقار عصبة الذيول النظيفة، وللمتمردين لجنة إعادة التربية خاصة بالرفاق الأحرار في الطبيعة هدفها تدجين الفئران والأرانب، وللخرفان حركة الصوف النظيف، ولجان أخرى للوقاية الإجتماعية، إضافة إلى تخصيص أقسام للقراءة والكتابة والفنون التشكيلية. وينتهي الاجتماع بترديد "النشيد  الثوري"، ثم يخصص وقت للمتعة. 

ألا أن التالف بين الحيوانات الثائرة أصابه الفتور، فلم يستمر طويلا، فبعد انتصارها في "معركة الحظيرة" التي قادتها ضد الإنسان المُستبدّ، انتقل سلوك الأنانية الذي كان يمارسه الإنسان إلى بعض من الحيوانات التي تمارس الدور القيادي، ثم سرعان ما أدخلت بعض التعديلات على الأنظمة التي تنظم حياة المزرعة، حيث بدأت الحيوانات الكبيرة تقرأ على صغار الحيوانات أوامر العمل الأسبوعية "بلهجة عسكرية" صارمة، ثم قلّصت حصة طعام الحيوانات إلى مستوى النصف، كما تم الإعلان عن أن الخنازير ستستيقظ مُتأخرة بساعة عن بقية الحيوانات، ثم بعدما أعلن "نابليون" إنشاء "علاقات تبادل تجاري" مع بعض من مُلّاك المزارع المجاورة، عبّرت الحيوانات في إحدى "الاجتماعات الدورية" عن كابة غامضة مُردّدة: "لا تعامل مع الإنسان إطلاقا، لا نشاط تجاري، لا تعامل بالمال، أليست هذه هي بعض القرارات التي تم التوصية بها بعد طرد السيد "جونز" من المزرعة؟، لكنها سرعان ما سكتت خوفا من زمجرة الكلاب المتوحشة، وبعد أن أدركت الحيوانات أن كل الام نذرت نفسها لأجله ستجني ثماره، كما ستجنيه الأجيال القادمة، وليس عصابة إنس كسالى تقطف ثمار جهد غيرها.  

الرواية في مجملها صنّفت الحيوانات إلى فريقين: "بوكسَر" هو الحيوان المثابر و"سنوبول" و"نابلوين" هما الأكثر حنكة وذكاء، في المقابل، هناك حيوانات أخرى تقلّ حنكتها ويغلب عليها الغباء كالقطة "مولي" التي ترمز "للخيانة"، فتيبيع كل شيء مهما بلغت قيمته  نظير "شهواتها"، كما أن الحِمار "بنيامين" يظل غالباً ساكتاً، لا ينبس ببنت شفه، فهو  يُدرك ما يدور حوله، لكنه يُفضّل السكوت، فلا يتدّخل، ويبقى طوال جلساته "مُبحلقاً" بعيونه الواسعتين، وهي صفات وسلوكيات أراد منها الراوي أن يُسجّل جلّ حكايته بهذه المشاهد التي في أحيان كثيرة تتوافق مع ما يحدث في مسارات الحياة الاجتماعية والسياسية للبشر. 

تلك التغيرات، ساهمت بشكل مباشر في تعديل المبادئ التي قامت عليها الثورة، فالخنازير بحكم قوتها وذكائها أصبحت هي من تحكم دون اللجوء إلى مراحل "الاقتراع والتصويت"، ومن يُحاول الاعتراض من بقيّة الحيوانات الضعيفة فقد يُعرّض حياته للهلاك، وبهذا استسلمت هذه الحيوانات للواقع المرير، وخضعت بالتالي لنظام الإدارة الجديد بالمزرعة الذي يتنافى مع الوصايا السبع، إلى أن "إنقلب" الخنزير "نابوليون" على شريكه "سنوبول" الذي يعاونه في تدبير شؤون المزرعة، بعدما استعان بمجموعة من الكلاب المتوحّشة التي قام بتدريبها لتعينه في "محاولة الإنقلاب" التي خطّط لها، فانتصر على غريمه، ثم أصبح "نابوليون" هو الامر الناهي في كل ما يتعلق ب"الجمهورية الجديدة".

تبع كل ذلك إلغاء نشيد الثورة "حيوانات أنجلترا"، وقد برّر "سكويلر" ذلك بلهجة حاسمة: "لن تنشدوا الأغنية أيها الرفاق، كانت "حيوانات أنجلترا" أغنية الثورة، والثورة نجحت، وإعدام الخونة هذه الظهيرة أوصلها إلى ذروة نجاحها، لقد هزمنا الأعداء في الخارج كما في الداخل، في "حيوانات أنجلترا" تم التعبير عن "تطلعاتنا" لإنشاء مجتمع أفضل في المستقبل، والان وضعنا أسس هذا المجتمع، فأصبح واضحا أنه لم تعد هناك أي ضرورة لهذا النشيد...". وبهذا، استبدل النشيد بمقاطع غنائية جديدة ألّفها الشاعر الموهوب "مينيموس"،  تقول في مطلعها: "مزرعة الحيوانات... ليس من طريقي يأتي الأذى".

تزامن مع هذه التغييرات، تعديلات جذرية في "سياسات الإعدام" لبعض الحيوانات التي بدت مُمتعضة من التغيير الذي طرأ فجأة، وهو ما يُخالف منطوق الوصيّة السادسة الذي "يحظر على الحيوانات قتل حيوان اخر". ثم تلا ذلك، أن عدداً من الحيوانات بدأت تنسج "سياسات التمجيد" للقائد الجديد "نابليون"، حيث أصبح كل عمل ناجح تقوم به الحيوانات يُنسب مُباشرة إلى "القائد المُعظّم"، فتردّد بعض الدجاجات الضعاف مثلا: "تحت ظل القيادة المستنيرة للرفيق نابليون، قائدنا، وضعت خمس بيضات في ستة أيام" ، كما كان يتردّد حديث يدور بين بين بقرتين تشربان من إحدى البرك المائية بالمزرعة: "الفضل يرجع لرفيقنا ونبراسنا نابليون، ما أعذب هذا الماء".  كما عبّر "مينيموس" في قصيدة مديح تصل إلى رتبة التقديس عنوانها "الرفيق نابليون" ، هذا مُقتطف من نصّها:

"صديق اليتيم، نبع السعادة، الروح السامية الهنيئة

يا واهب الكلأ، نور نظرتك يعكف على الخلق

كشمس في سمائنا، كينبوع للتأمل

أيها الرفيق نابليون، أيها الواهب العظيم لكل ما نحب

أيها الإله الخالق، واهب الصغير، وسيّد كل الفنون ..."

ثم بدأت صور "نابليون" تنتشر بشكل ملفت للنظر على شكل ملصقات على جدران المزرعة، وتوالت التغييرات في المزرعة بشكل جذري، "ضاربة عرض الحائط" مضامين الوصايا السبع. لم يكن وقتها أي شيء يُقلّل من حدّة توتر الحيوانات الضعيفة إلا ما جاء به الغراب "موسى" الذي ظهر فجأة في يوم قائظ، حط الغراب "العاطل عن العمل" منذ فترة على جذع شجرة، ورفرف بجناحيه الأسودين، ثم تحدّث بصوت مُهيب مادّاً منقاره إلى السماء: "هُناك أيّها الرفاق، في الجانب الاخر من الغيمة السوداء، هُناك يوجد "جبل الحلوى" تلك البلاد السعيدة التي سنرتاح فيها من الشقاء إلى الأبد..."، في دلالة على أن الغراب كان يشدّ من أزر بقية الحيوانات على الرحيل.

إستمرّت حياة الحيوانات بالمزرعة على ذات المنوال، فكبرت الصغار، ووصل بعضها إلى سن الشيخوخة، ثم جاء جيل جديد من الحيوانات لا يعني له العصيان والثورة سوى تقليد بائد، تتناقله الألسن، كما تم شراء عدد اخر من الحيوانات التي تم جلبها من مزارع أخرى بعيدة، ليس لديها أي إلمام بتاريخ المزرعة الدامي التي سيعيشون بها.

واصلت الحيوانات عملها الدؤوب، لقد أخبرها "سكويلر" أن على الخنازير بذل جهد كبير كل يوم في أمور غامضة تُدعى "ملفات" و "تقارير" و "محاضر جلسات" و "مذكرات"، وهي قوائم كبيرة من الورق ينبغي ملؤها بالكتابة، ثم تُحرق في الفرن". بعد ذلك، ترسّخت خلال السنوات اللاحقة لبدء الثورة "سياسة عدم السماح بالشكوى أو الإنتقاد"، واختزلت مُجمل الوصايا السبع في وصية واحدة تقول: "جميع الحيوانات مُتساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها...". ثم لاحظت الحيوانات أن "الحافر والقرن" الذي يُزيّن "علم الثورة" قد أزيلا، كما تم تغيير أسم "مزرعة الحيوانات" ليصبح "مزرعة القصر" الذي كان أسمها الحقيقي قبل نشوء الثورة على الإنسان. هنا تغير كل شيء، وأصبح من المستحيل التمييز بين الإنسان والحيوان. 

 خُلاصة القول: رواية "مزرعة الحيوانات" التي تمتاز بأسلوبها الشيّق وطرحها المُسلّي تحمل بين ثناياها رسالة فيها من الحكمة ما يكفي لحث البشر بمختلف مشاربهم بأهمية نشر المساواة، ونبذ الظلم، والتحلّي بمكارم الأخلاق والعدل والانصاف بين الجميع. هذه الرواية، التي كُتبت بلسان الحيوانات، تكشف "كيد" الأنظمة و"نفاقها"، وتُعدّ بمثابة "بياناً ثورياً" في وجه الاستبداد الذي ما يزال "جاثماً" على صدور الكثير المجتمعات في مختلف من دول العالم. ولهذا، يُصنّف الُنقّاد الغربيون هذه الرواية من بين أفضل مائة رواية عالمية، ففي إطارها الساخر، ترمز الرواية لمعالم الثورة الروسية التي قادها "ستالين" من أجل العدالة الاجتماعية، ثم أنتهت إلى النقيض تماماً من ذلك، فالرواية – حسب النُقّاد – هي "مُحاكاة لواقع سياسيّ مُكتنزٌ بالمتناقضات والصراعات الإيدولوجية في مرحلة جد حسّاسة من تاريخ روسيا والعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية". قدّم "أورويل" رؤيته في قالب أدبي يمتزج الخيال فيه بالواقع، وبهذا تنتمي روايته هذه إلى فنون "الأدب الرمزي"، وهو  فن أدبي ذاع صيته في القرن السابع عشرللميلاد.

بعد هذا العرض نتسائل: كم نحنُ اليوم بحاجة إلى مثل هذه الفنون الأدبية التي قد تُسهم بقالبها الأدبي الساخر في كشف ألوان جديدة من سياسات التعسّف التي ما تزال تُمارسها للأسف حكومات مُتسلّطة، وأنظمة مُستبدّه تتعالى في شنان الملوك، وفخامة القصور ومراسيم التشريفات، وتبتدع الكثير من علامات التمويهات، تُحاول بها سدّ ثغرات عجزها، وإخفاء ضعفها، وإضمار تخلفّها، لتبقى على "عروش الرهبة" التي تُحيط بها نفسها في أعين رعاياها. هذه الأنظمة "البائسة" التي لا "تُناقش ولا تُعصى"، باتت "لاصقة" على صدور شعوبنا العربية المُستضعفة من مشرقها إلى مغربها، شرعت "الدولة العميقة" لهذه الأنظمة "اليائسة" في تأصيل ما يُطلق عليه ب"الثورات المُضادّة"، وساهمت في تبديد ثروات الأمّة العربية، فتفشّى الفقر والعوز واحتدّ الجهل، وتفاقمت مُعدّلات البطالة، واستفحلت حوادث الجريمة، وفي ظلّ هذا الوضع "المُتهاوي"، فضلّت هذه الأنظمة "المُترهلّة المارقة" إنفاق سيولتها النقّدية ووفرّت أثمان ثرواتهها الطبيعية في شراء وتكديس "أسلحة" لم ولن تُستخدمها إلا لقهر شعوبها، فضلاً عن أنها جذّرت الشقاق، ومكّنت الفرقة، وغرست الفتنة، ومهدّت كل ما من شأنه تعزيز روح الكراهية بين أبناء شعوبها.

ها أنا ذا قد قرأتُ لكم هذه الرواية المُكتنزة بالنصائح والدروس والعبر، ولم أتتوانى أو أتردّد لحظة واحدة في طرح مُحتواها الهادف، ومغزاها الخفيّ، ومن شاء منكم "فليتببصّر" في مضمون مُحتوى رسالتها "السامية" كما أراد لها كاتبها ذلك، تيّمناً بما وعظ به الفقيه إبن القيم في كتابه "شفاء العليل": "وكثيرٌ من العُقلاء يتعلّم من الحيوانات الُبهم أموراً تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحربه وحزمه وصبره".

عن المؤلف: إريك اثر بلير هو الإسم الحقيقي لجورج أورويل، وُلد في ولاية موتيهاري بالهند في عام 1903 م، حيث كان والده "ريتشارد بلير" يعمل كموظف في الادارة المدنية البريطانية، وفي عام 1922م ذهب إلى بورما وعمل في الشرطة الملكية الهندية لمدة خمس سنوات، كما عمل كمحرر صحفي عن الحرب الأهلية في أسبانبا، وخلال الحرب العالمية الثانية عمل في إذاعة البي بي سي البريطانية ثم أصبح المحرر الأدبي لمجلة التريبيون، توفى عن عمر يناهز السادسة والاربعون  بعد إصابته بمرض السل في عام 1950م. نشرت له العديد من الروايات منها: أيام بورما (1934)، إبنة القسّيس (1935)، وجميع تلك الروايات كانت مُستوحاة من تجاربه الشخصية، إضافة إلى العديد من القصص الوثائقية والمقالات الأدبية والسياسية التي نُشرت في عدد من الصحف العالمية.  

السبت، 26 سبتمبر 2020

العلعلان: تُعطّر "فأس" قاطعها

 

تدوين: يحيى السلماني

لم يكن مشهد شجرة العلعلان وهي تستعر بنيران الحريق الذي شبّ بين مفاصلها مشهداً عادّياً، بل كان عرضاً مرئيّاً مُؤلماً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، أصابنا بالدهشة، وحسسّنا بوجع الاستهتار، فقد غاب عن مُفتعل هذه الجريمة البشعة أدنى أخلاقيات التعامل مع عناصر الطبيعة التي وهبنا الله أياها، وكان أقل ما يمكن الالتزام به في أن "يترك المكان أفضل مّما كان"، استمتع "المُجرم" الفاعل بجمال الطبيعة البكر، وتفيّأ بأوراق هذه الشجرة الزاكية الوارفة الظلال، ثم "أكرمها" بإشعال النيران بين حشاياها، رحل عنها وتركها وأدخنة النيران تلتهمها وتتصاعد بين حناياها، توارى عنها وهي شاكية باكية بائسة مُتفحّمة مُستنجدة ب"عابر سبيل" لتروي له حكاية من "تحرّش" بها، مُلتمسة منه أن ينقل شكواها لجهة الاختصاص من أجل أن تحظى بقيّة ما تبقّى من بنات جنسها ومن جاورها من أشجار العلعلان بكرامة الحياة في موائلها الطبيعية دون تهديد جائر أو انتهاز قاهر، وعدها "عابر السبيل" بإيصال رسالتها، ولم يتباطئ لحظة واحدة في التغريد بقصّتها الدراماتيكية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أثارت حفيظة كلّ غيور تربطه علاقة حميمة مع عناصر بيئة وطنه، فشاع خبرها وذاع في بيوت عُمان صيتها.            

لا يقتصر تواجد هذه الشجرة بالسلطنة، فهي مُنتشرة في بلدان كثيرة من بينها المملكة العربية السعودية الشقيقة وبلاد الشام وتركيا وعدد من الُبلدان المطلّة على حوض البحر المتوسط، وما يتوجب الإشارة إليه هنا أنّ عدد من المصادر التاريخية تُوّثق الأهمية الصحيّة لهذه الشجرة، فقد ورد ذكرها في وصفات فرعونية في برديّة "هيرست" و"إيبرز" كوصفات علاجية "لتسكين الآلام وأمراض القلب والصرع، ولعلاج التهابات المسالك البولية ولإدرار البول، ولتسكين المغص الكلوي، ولإزالة آلام المفاصل والروماتيزم ومعالجة الحروق، والسعال والربو".

مصداقية ما دونّه الفراعنه تؤكده وثائق الطبّ الإسلامي، ذكر الطبيب والفيلسوف إبن سينا شجرة العلعلان قائلاً: "العرعر، يقصد (العلعلان) مُسخّن ومُلطّف جيّد لشدخ العضل وأوجاع الصدر والسعال، يُنقيّ ويفتح السدد فيها، وهو للمعدة شراباً" أمّا العالم النباتي إبن البيطار فوصف الفوائد الصحيّة للشجرة قائلاً: "العرعر مُسخّن مُلطّف لرفع ضرر لسع الهوام وطرد الذباب تدخيناً"، وكتب الفلكي والطبيب داود الانطاكي: "العرعر يلحم الجراح ويحبس الدم ويخفف القروح ويحلّل الأورام، وثمرهُ طريّاً يشدّ ويلحم الفتق، ويمنع تساقط الشعر، ويُجبر الكسر ورضّ المفصل وضعف العصب".

عوداً على بدء، لا نبيح سرّاً إذا ما كشفنا بأن هذه ليست المرّة الأولى التي تتعرّض لها الأشجار البريّة بنيابة الجبل الأخضر للعبث من قبل أولئك الذي يتقصدّون التخريب، ويتعمّدون تشويه عناصر الحياة الفطرية دون سبب يذكر، فهذه الشجرة المُعمّرة التي قد يمتدّ عمر حياتها لأكثر من 250 سنة، وتمتاز بحجمها الكبير، وأغصانها الخضراء الناضرة، وتوّفرُ بأوراقها الكثيفة ظلال يمكن لمرتادي الجبل التفيئ تحتها دون الاحساس برطوبة الجو أو لفحة الحر، تعرضّت خلال السنوات الفائتة لتعديّات مُشابهة ما تزال مشاهدها حاضرة في ذهن "ذاكرتنا" البيئية، وهو ما يتنافى مع القرار الوزاري رقم (65 /2017 ) الخاص بإصدار "لائحة تنظيم عملية الاحتطاب والفحم النباتي" التي تحظر "ممارسة أنشطة الاحتطاب من أملاك الدولة أو تسخيم الحطب إلا بتصريح من الوزارة". 

جرت العادة أن يستفيد سكان نيابة الجبل الأخضر والمناطق المجاورة من خشب شجرة العلعلان الدائمة الخضرة في البناء والتعمير، هذه الشجرة التي يطلق عليها أيضا إسم "العرعر" تتميّز أخشابها بالصلابة وعدم تأثرها بمتغيرات الطقس، ويُستفاد منها في علاجات الطب الشعبي واستخلاص عدد من أنواع العطور المحلّية، ولهذه الشجرة تاريخها الطويل، فالدراسات البيولوجية تشير إلى أنها "إضطرت مع تغّير ظروف البيئة للهجرة للمرتفعات العالية بحثا عن الأجواء الباردة"، وتدلل الدراسات على أن "السلطنة قد مرّت بعصور باردة وظروف بيئية تاريخية، وهذا ما أظهرته أحدث المسوحات التي أكتشفت مستحثّات للشجرة في منطقة الحقف (محافظة الوسطى) وهي ما تبقى من العصور القديمة"، ولذلك لا تقتصر أهمية هذه الشجرة بالنسبة لأهالي الجبل الأخضر على قيمتها البيئية والصحيّة والجمالية، بل هي جزء لا يتجزأ من تراثهم الطبيعي، ولذلك، فعلاقة أهالي جبال الحجر الغربي بشجرة العلعلان مُتجذّرة منذ القدم.

من تسنح له فرصة التجوال في المناطق الجبلية بشمال السلطنة، يمكنه رصد هذه الشجرة الجميلة بسهولة لانتشارها بكثرة على مُرتفعات سلسلة جبال الحجر الغربي، يستفاد من فاكهتها لإضافة نكهة خاصة لبعض الأطعمة المُخَلَّلَة، ويستخلص منها زيوت عطرية، وتُستخدم في أحيان كثيرة كطارد للحشرات والقوارض، وطبيّاً، فهي تخفف من حرقة المعدة، وتُقلّل فُقدان الشهية، وتحسّن من آلام المفاصل والعضلات، وتُسهم في تضميد الجروح، ويستخدم البعض زيوتها للتقليل من مستوى سكر الدم.   

وحفاظاً على هذه الشجرة وغيرها من الأشجار التي تتعرّض لانتهاكات بشرية وطبيعية، وحفاظاً عليها من خطر الانقراض، صدر المرسوم السلطاني رقم (80/ 2011م) بإنشاء "محميّة الجبل الأخضر للمناظر الطبيعية" تتضمن ست مناطق طبيعية تقع على مساحة كلية تبلغ 116كم2، جميعها ذات أهمية فنية وثقافية خاصة، من خلال الأرض والمياه، وما يجمعانه من أحياء وتراكيب جيولوجية لتؤلّف مناظر طبيعية خلابه جديرة بالحماية والمحافظة.  وتمتاز المحمية بمناخها المعتدل صيفا والبارد شتاءً، وتضمّ بين جنباتها الأودية الواسعة وعيونها المائية المتدفقة التي تغذّي المخزونات الجوفية، وتنتشر بين سلسلة جبالها الكهوف التي تتزين بتكوينات جيولوجية استثنائية، وتأوي هذه المحمية العديد من أنواع الحياة الفطرية، فهناك أنواع نباتية مختلفة مثل “السدر والسمر واللثب والضجع والشوع والنمت والبوت والطلح والقصم والزيتون البري (العتم) وغابات أشجار العلعلان، وتتكاثر في هضاب وسهول المحمية حيوانات نادرة كالوعل العربي والذئب العربي والثعلب الجبلي، وتستضيف أشجارها وعيونها المائية أكثر من 71 نوعاً من الطيور من بينها: الحجل العربي والبلبل والحمام الجبلي والنسر المصري والعقاب الذهبي، وتعدّ أشجار العلعلان أحد الملاذات الامنة لهذه الطيور.

في ديسمبر 2011م، كتبت مقالاً بمجلة "الإنسان والبيئة" وقد نُشر ذات المقال في عدد من الصحف المحلية، ركزّت فيه على جملة الاهداف التي تسعى حكومة السلطنة لتحقيقها من إنشاء هذه المحمية، وكان مُختصر الأهداف العامة لإنشائها السعي إلى إصدار لائحة تنظيمية تتعلق بحماية وصون التنوع النباتي مع التركيز على حماية الأشجار من القطع والحرق العرضي، إضافة إلى إصدار لائحة تنظيمية تتعلق بحماية الطيور (مقيمه ومهاجره)، وأن تحرص جهة الاختصاص على تكثيف برامج التوعية البيئية، إلى جانب النظر في ضرورة تحديث القوانين والتشريعات البيئية، ووضع ضوابط تُحدّد الاشتراطات التي تنظم الانشطة السياحية بمختلف مناطق المحمية، فضلا عن تنفيذ عمليات الرصد والبحث البيئي وإصدار لا ئحة تحدّد الية استغلال الموارد الطبيعية كالاحتطاب بالجبل الأخضر، وتحديد أماكن للأنشطة الرعوية، وبحث الاثار الايجابية والسلبية للسدود التخزينية، مع عدم إغفال تحديد المناطق الأثرية والتاريخية بالجبل.

وبرغم هذا التوجّه للعناية بأشجار ونباتاتات وحيوانات وطيور الجبل الأخضر الذي من المفترض أن تولي له إدارة المحميّة إهتماماً خاصاً، ألا أنه في عام 2014م، تفاجأنا بتصنيف شجرة العلعلان في قائمة "نباتات عُمان الحمراء" المُعرّضة للإنقراض، وهو مؤشرٌ صريح لما تعاني منه هذه الشجرة من تهديد عشوائية الزحف العمراني، وممارسات الرعي الجائر والتحطيب، هذا ناهيك عن اثار السياحة غير المُقننّة، وعوامل موجات الجفاف الناتجة عن التغييرات المُناخية الفُجائية، وبهذا فقد بادرت عدد من الجهات من بينها وزارة البيئة والشؤون المناخية ووزارة الزراعة والثروة السمكية (سابقاً) بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس في عام 2017م باستزراع مجموعة من النباتات النادرة  بالسلطنة من بينها شتلات العلعلان، بهدف تقليل اثار ظاهرة التصحر، ألا أن هذه المُبادرة لم تأتي بأكلها بعد،  وبهذا سنظل مُنتظرين أن تتحقق أهداف هذه المبادرة في قادم الوقت.    

عندما يقصد المئات من المواطنين والمقيمين قمم الجبل الاخضر، فهم يسعون إلى الإستمتاع بمفردات الطبيعة الغنّاء وبروعة الأجواء الربيعية اللطيفة، والتعطّر بالرائحة الزكية التي تنبعث من هذه الشجرة  الصنوبرية العملاقة، ولأن شجرة العلعلان من الأشجار سريعة الاحتراق قُدّر لها أن تُعاني من أزمات الكدمات (القطع) وحوادث الحروق. من هنا، ندرك جميعاً أن العبث بأشجار العلعلان يؤثّر بشكل مباشر على بقيّة عناصر التنوع الاحيائي الذي تزخر به هذه المحمية، ففقدان هذه الشجرة وغيرها من الأشجار يُسهم بدون أدنى شك في دفع الطيور والحيوانات إلى الهجرة من موائلها الطبيعية بحثاً عن موطن آخر أكثر استقراراً تواصل فيه حياتها بشكل امن، وقد يتسبّب هجرة بعض الطيور والحيوانات في هلاكها لعدم قدرتها على التأقلم بسهولة مع محيط البيئة الجديدة، كما أن تناقص الغطاء النباتي يؤدي حتما إلى زيادة مستوى تلوث الهواء بسبب زيادة كمية ثاني أكسيد الكربون التي تعلق في الجو ونقصان كمية الأكسجين التي تستخدمها الكائنات الحية في التنفس، إضافة إلى توسّع رقعة التصحر، هذا إلى جانب فقدان الجبل الأخضر مظهر من مظاهر الترفيه، فالإنسان عادة ما يستعين بغابات الأشجار للتنزه والترفيه عن نفسه، ولكن مع تزايد قطعها وحرقها تُصبح المواقع الخضراء جرداء خاوية. 

من هنا، وعندما تصبح هذه الأشجار عُرضة للإنتهاكات غير المسؤولة وبشكل أصبح متكرراً أكثر من أيّ وقت مضى، فهذا بكل تأكيد سيقوّض جملة الجهود والمبادرات الساعية إلى استعادة مكانة هذه الشجرة وغيرها من عناصر الطبيعة، ونحن يحق لنا هنا أن  نتسائل: أين دور أجهزة الرقابة البيئية؟ ألم يأن الأوان بعد لتعزيز إمكانات دور فرق مراقبي الحياة الفطرية فنيّاً؟ ألم يحن الوقت بعد لإجراء مسوحات ميدانية وعلمية للتحقّق من مدى إمكانية الاستفادة من زيوت هذه الشجرة طبياً قد تُغنينا عن استيراد بعض الأدوية من الخارج؟أدويةأدوية من الخارج؟ وهل لدى جهات الاختصاص مبادرة صادقة لقياس معدّل مستويات الوعي بأهمية الحفاظ على مثل هذه العناصر الطبيعية بالسلطنة؟ أليس من واجبنا نحن أيضا كمرتادي لمثل هذه المواقع السياحية "الحساسة" الالتزام بحدود الاشتراطات المُعتمدة من قبل جهات الاختصاص؟ 

هاجرت شجرة العلعلان برائحتها الزكيّة هاربة من "رمضاء" الصحراء بوسط السلطنة باحثة عن "دفء" سهول الجبل الأخضر لينطبق عليها بعد ما تكبّدت عناء ترحالها وتنقلّها المثل القائل:" "كالمُستجير من الرمضاء بالنار". قد يُصنّف البعض "واقعة" الجبل الأخضر حدثاً عارضاً أو رُبما مُتعمّداً من فئة غير مسؤولة هدفها إلحاق الضرر بعناصر بيئتنا، لكن لا بدّ من الإعتراف هنا من أننا نُواجه "إشكال بيئي" جادّ إذا ما علمنا أن شجرة العلعلان (العرعر)  بطيئة النموّ، وهي تتعرضّ بشكل مستمر للتدمير بواسطة القطع، والتشويه بواسطة الحرق، وبهذا، نرى توجيه التماسنا هذا إلى جهات الاختصاص للنظر بجديّة وحزم في منع إشعال النار والطهي تحت هذه الأشجار، وحذفها من قائمة "التحطيب" ولو برخصة رسمية، وهو ما يحدّ، من وجهة نظرنا، من نسب الضرر بمساحات الغطاء النباتي في مختلف مواقع هذه المحمية، كما أن الأمل معقود على زوّار هذه المحمية الالتزام بالتشريعات البيئية واحترام "حرمات وإحرامات" مثل هذه المواقع المحمّية، وبتظافر جهود الجميع ستبقى شجرة العلعلان (العرعر) مُنتصبة بقامتها، مُتطوّعة بعلاج مصابيها، تحتضنُ أغصانها المورقة من يأتيها قاصداً ليتفيأ بظلالها، و"تُبّخر" بروائح دُخانها جسد حارقها، وتُعطّر جذوعها وأغصانها "فأس" حتى ممن تسوّل له نفسه المساس بها.   

السبت، 29 أغسطس 2020

الدجاجة التي تبيض ذهباً...!

 

تدوين: يحيى السلماني

وصف أحد المهتمين بقطاع السياحة البيئية أن الطبيعة التي تُفسح لنا مجالات التأمّل بمخلوقاتها، والتنّزه بين جنبات جبالها، ونغامر في بطون أوديتها، ونتشمّسُ على ضفاف أنهارها وبحارها، وتنشّط اقتصاد بلادنا، هي في مُجملها تحملُ مُقوّمات "الدجاجة التي تبيضُ ذهبا"، ويأتي هذا الوصف الذي شدّ انتباهي فور قرائته مبنيّاً على أن الطبيعة البكر تُعدّ مصدراً هاماً للكسب الفردي، ويسهم أيما إسهام في رفد الدخل القومي في البلدان التي تتمتّع بطبيعة غنّاءه مُثمرة في حال إستثمرت ثروات الطبيعة وفق استرتيجيات مدروسة وبطرق رشيدة ومُستدامة.

خلال الفترة التي قضيتها في العمل بالمؤسسات البيئية بالسلطنة منذ عام 1993م، بذلت قصارى جهدي لتطوير مهاراتي الفنية في مجال الصحافة البيئية، كما حرصت على الإلمام قدر الإمكان من محتوى العمل البيئي، ألا أنه بعد مضي ما يقرب من 23 عاماً، أو رُبما قبيل ذلك بسنوات، أُصبتُ بامتعاض إلى حد لا سبيل لوصفه، وبتُ أشعر بإشمئزاز لا يُمكن الصبر عليه، لأسباب منها الظاهر (معروف) ومنها الباطن (مُتستّر عليه) يطولُ شرح تفاصيله، ألا أنه يمكن تلخيص "امتعاضي" في أن بيئة العمل بمؤسسات هذا القطاع باتت، من وجهة نظري المتواضعة، مُملّة ومُمتلئة بمن لا "يُميّزون بين الغناء والمواء"، فاتخذت قراري النهائي بالإستقالة والفرار إلى بيئات عمل أكثر حيوية وأريحية، عملاً بوصيّة أديب وشاعر المهجر الذي أحببته، جبران خليل جبران،: "ليست قيمة  الإنسان بما يبلُغ إليه، بل فيما يتوق للبلوغ إليه"،  ثم نأيت بنفسي مُفضلّا، بعد 23 عاماً من العمل الرسمي، التفّرغ للعمل الحر، وخوض تجربة عملية وحياتية جديدة قد تمنحني حيّزاً من الاستقلالية.

ثُم بعدها مُباشرة أستأنفت عملي في عدّة أنشطة ومهن، كنت املاً وساعياً من أن أتمكن من الوقوف على رجلي وتحقيق نجاحي المأمول، ألا أن ظروف الوقت أدركتني، ومُتغيرات الأحداث تسارعت، فحلّت، خلال أقل من ستة أشهر من استقالتي، أزمة انخفاض أسعار النفط الحادّة، ثم ما لبثت تتردّى حالة سوق العمل وتتدحرج مؤشراته بشكل متسارع من السيء إلى الأسوأ، عندها وجدت نفسي وأنا أنتقل من نشاط عمل إلى اخر، كمن يصفه المثل المصري: "سبع صنائع، والوقت ضائع"، فلملمتُ أدواتي، وحزمتُ أمتعة "مُغامراتي" العملية الأولى تلو الأخرى، ثم راجعت نفسي، وحسبت تحركاتي، أدقّق طوال وقتي فيما الت إليه الظروف، وأبحث مُنفرداً ووحيداً عن حل "سحري" قد ينتشلني من مغبّة اثار الركود الاقتصادي الذي عانت منه، كما عانيت أنا، مختلف قطاعات العمل بالسلطنة.

 وبما أني أحد المُغرمين بالسفر والرحلات الاستكشافية (إن لم أكن مجنونا بذلك)، فسحتُ باكراً في ساحات كبريات المدن، وقضيتُ ليال بحالها أمخرُ عباب فضاءات البحار والمُحيطات، وتنزّهت في أروقة أشهر المتاحف وتمحلقت عيناي في مقتنيات أقدم القصور، وزرتُ وأنا مُمتلئٌ طهارة أنقى المساجد، وأعتق الكنائس وأشهر المعابد، وفي حالات نادرة سكنتُ الفنادق الفارهة، واكتريتُ، في حالات كثيرة، الأكواخ الصغيرة (الشاليهات)، وجربّت رياضة التسلق، ومارست الغوص مع السلاحف والحيتان، وخلال جولاتي، تلاطفتُ مع السائل، وأشفقتُ على صاحب العوز والحاجة، و"ياما" أُنتُشلت جيوب ملابسي أمام العامّة والخاصة في عزّ الظهيرة جهاراً نهاراً، وأنست بصحبة من أُحب، وتحملّت سُخط من لا أحب من بعض من التقيت بهم، وتقبلّت قُبح الاخرين، وخلال أسفاري اكتويتُ بوهج الوحدة، كل ذلك حدث لي، وما زلتُ تواقّا لخوض تجارب سياحية جديدة لأتمكن من اكتشاف المزيد من خبايا هذا العالم المتناقض بشجره وبشره، الملئ بالغرائب والغرائز والعجائب.

ذلك كله جرّني للبحث عن رواق عمل جديد، قريب من اهتماماتي، كنت مؤمناً بما قاله كونفوشيوس: "ليست العظمة في أن لا تسقُط أبداً، العظمة أن تنهض كُلما سقطت"، ولذا إرهاق البحث عن منافذ أخرى لتأمين لقمة العيش ذكرني مراراً بمقولة يوهان غوته (الأديب الألماني) التي تسدي النصح بأهمية المبادرة في العمل بما تحب، حيث ينصح قائلاً: "أي شيء يمكنك القيام به، أو تحلم بالقيام به، إبدأ به"،  فخطر ببالي التفكير بجديّة عن جدوى الاستفادة من خبراتي المتواضعة في مجالي السفر والسياحة، مؤمناً بأن "الخوف من الفشل يجب أن لا يكون حجة لعدم التجربة" كما يقول فردريك سميث.

لم يستغرق الوقت طويلاً حتى تحقّقت أمنيتي بعد أن اجتزت إختبار المقابلة الشخصية، فحصلت على "ترخيص" الإرشاد السياحي من جهة الاختصاص (وزارة السياحة سابقاً)، ثم أنشأت الموقع الإلكتروني الخاص بي، وتواصلت مع عدد من وكالات السياحة المحلية، وفي أقل من شهر، بدأت في جني بذرة غرسي الأولى، التي منحتني أيضا فرص لممارسة هواية السفر والتنقل ولكن هذه المرّة في شكل "الهرم المقلوب"، فبعد أن كنت سائحاً لافّاً ما يربو على 45 دولة في مختلف قارات العالم، سأصبح اليوم مُرشداً سياحياً، أستقبل الزوار من ردهات المطار، أرافقهم إلى مقار إقامتهم، ثُم أتكفّل بإرشادهم إلى مختلف الوجهات السياحية التي تخيّروها بأنفسهم.        

 ظروف عمل المرشد السياحي ليست بالأمر السهل كما قد يتوقعّه البعض، وأنا كُنت أحدهم، فالمُرشد السياحي، علاوة على لياقته البدنية (الصحية)، فهو بحاجة إلى قدر جيد من المعرفة والثقافة، وحتى يتمكن من تقديم "وجبته المعرفية" بشكل يليق بمستوى السائح، يكلفّه تجميع "ذخيرة" واسعة من المعلومات الدقيقة في مختلف المجالات: سياسية، تاريخية، إقتصادية، بيئية، مُناخية، إجتماعية، تربوية ...الخ، وبرغم كل ذلك، ألا أنني، بفضل من الله، ثم بفضل تعاون عدد لابأس به من زملاء المهنة، نجحت في ممارسة دور المرشد السياحي بحرفيّة، تفوقت في أحايين كثيرة على من خبروا هذه المهنة قبلي بسنوات، طفت خلال جولاتي عشرات من مواقع الجذب السياحي بالسلطنة، وأكثرُ ما حُظيت به هو الالتقاء بعشرات الجنسيات من السواح، خصوصاً أولئك القادمون من أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، وهو ما وفّر لي فُرصة جيّدة لتبادل معلوماتي وإثراء واكتساب معارف جديدة عن بلدان العالم بلسان أهلها. 

أعرض تجربتي المتواضعة هذه ونحن ندرك بأنه لا يختلف إثنان على أن السلطنة تحظى بمقومات سياحية تنفرد بها عن غيرها من الدول، واذا كانت مقومات السياحة طبيعية وذات عراقة حضارية، فالسلطنة تملك ثروة مهمّة في هذا المجال، ولكن تبقى كيفية استثمار تلك المقومات واستغلالها لتصبح مصدر دخل وفخر للمواطن العماني، ولا يفوتنا الإشارة هنا إلى أنه لا بُدّ من تأهيل جميع المناطق ذات الجذب السياحي، خصوصاً تلك التي ما تزال تفتفقر إلى أدنى مستويات المرافق الخدمية، كما يتوجب من جهات الاختصاص النظر بجدية في تأمين حماية دائمة للمعالم التاريخية والمواقع الطبيعية حتى يمكن "استدامة" الاستفادة من جميع تلك المعطيات، ما نقصده هنا يجب عدم إغفال عملية تنظيم النشاط السياحي حتى لا يصبح أداؤه تدميراً للطبيعة  ومصدر تخريب لها.

أما الجانب الآخر الذي يشغلننا ذكره في هذه التدوينة، أنه في كل مرة تسنح لي الفرصة بالقيام بجولات لبعض من هذه المواقع الطبيعية بمختلف ولايات السلطنة، تنكشف لي آفاق سياحية جديدة تتنوع بين المواقع الأثرية العريقة وبين واحات الطبيعة العذراء التي وهبها الله بلادنا الغالية، وفي كل مرة أحظى فيها بمشاهدة تلك المواقع يمتلئ قلبي غبطة وسعادة، وأشعر بالزهو أمام من يرافقني من جملة السواح، ألا أنه وبقدر شعوري بهذه الفرحة، تعتريني في ذات الوقت غيرة ممزوجة بالتحسّر والألم، ففي غالب الوقت، خلال زياراتي التي أضحت متكررة وبشكل يومي لمختلف المواقع، نُفاجأ أن غالبية من يرتادوها هم من الُمقيمين أو مجموعات السياح الوافدين فقط، ولا ضير في ذلك ، فالُمقيم والسائح يلعبان دورا هاما في نقل الوجهة السياحية للسلطنة، وهو ما يُساهم أيضا في إثراء السياحة الداخلية وتنشيطها، ليصبح مجالها أوسع وأشمل، ولكن في ظل تمتّع السائح بهذه المناظر الخلابة والطبيعة البكر، يبقى العُماني "مُنعزلاً" عن الاستمتاع بمفردات تلك الطبيعة، وبعيداً عن التفاعل مع معطياتها حتى يصبح لدرجة أنه يجهل تلك المواقع وأهميتها التاريخية والبيئية، التي تُشكل مصدراً هاماً لتنمية المعرفة وتعزّز الثقافة الوطنية في هذا المجال.

في ظل إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، نحن "ربما" على مشارف رؤية تنموية جديدة للقطاع السياحي، قد تدفع بتطوير عجلة الأداء السياحي بالسلطنة لتُصبح مصدر جذب سياحي من "الدرجة الاولى" تُناسب مختلف الفئات العمرية، وفي ظل الاهتمام المتنامي لحكومة السلطنة لهذا القطاع، لا يفوتنا هنا أن نتوجّه بصوتنا إلى جميع جهات الاختصاص بضرورة أخذ الاعتبارات اللازمة، والاحتياطات الواجبة التي تُسهم في الحد من تدمير الموارد البيئية الاستثنائية التي تحظى بها السلطنة، ويبقى القول: أن إدارة المواقع السياحية بأسلوب حديث، وتنشيط السلوك الواعي لدى مرتادي هذه المناطق يُعدّ أولوية.

ندرك أن الجميع له حق الاستمتاع بالطبيعية مع الحرص على إبقائها بمنأى عن مخاطر التشويه والتلوث والتدهور والاستنزاف، وفي الوقت الذي بدأت فيه أجواء السلطنة بالتحّسن، و"التعافي" تدريجياً من أعراض "كورونا"، ها نحن ندعوكم لزيارة بعض من الوجهات السياحية الفريدة بالسلطنة لتحظوا أنتم أيضاً بنصيبكم الوافر من "البيضة الذهبية".   

 

 

الأحد، 16 أغسطس 2020

جمعية الغابات الطبيعية ... في انتظار الإشهار!

 

تدوين: يحيى السلماني

في الوقت الذي يواصل فيه مئات المتطوعين "ملحمتهم البيئية" لاستئصال نبتة "البارثنيوم" السامّة من مراعي محافظة ظفار، يدور الحديث حالياً عن الأسباب الكامنة وراء تأخّر الجهات المسؤولة عن إشهار "الجمعية العمانية للغابات الطبيعية" التي تم تأسيسها في عام 2009م بمبادرة فرديّه، أُسوة ب"الجمعية العُمانية لمزارعي الرمان بالجبل الأخضر" التي تم إشهارها عام 2014م والتي نجحت في تذليل الكثير من المعوّقات والمشاكل التي تعترض مزارعي أشجار الرمان،  وتتبنى أحدث التكنولوجيات في مكافحة الافات الزراعية التي تضرّ بهذه الشجرة التي تُقدسّها وتتبارك بها مختلف الأديان.     

وإن طالت المُدة لأكثر من عقد من الزمان، لم يتخاذل مؤسّسي هذه الجمعية منذ إنشائها للوقوف على مُطالباتهم المتواصلة بضرورة إشهارها، وهم ما زالوا يُتابعون مشوار مشاوراتهم بهمّة عالية، وبواسطة ووساطة المسؤولين عبر القنوات الرسمية بوزارة البيئة والشؤون المناخية ووزارة التنمية الاجتماعية ومجلس الشورى، ألا أن ردود جميع هذه المؤسسات التي كان اخرها شهر مايو من العام الجاري كما درجت العادة تشي  بالانتظار، وتنصح بالتريّث حتى يأتي الوقت المُخصّص لإصدار القانون الجديد للجمعيات العُمانية الذي لم تُحدّد أبعاده الزمنية بعد.   

توالت العقود، ومرّت السنين، ومساحات المراعي في محافظة ظفار تشهد انحساراً ملحوظاً وتتقلّص بشكل متسارع، وهو ما عرّض العديد من العناصر الطبيعية إلى الانقراض، فقدرة الأشجار على التكاثر الطبيعي وتكوين البذور قد تدّنت لتزايد مُمارسات "الرعي المُبكر والجائر واقتلاع الأشجار لاستعمالها في تجارة التحطيب وتوسّع النشاط العمراني"، ففي ثمانينات القرن المنصرم بدأت حالات استحوذ المواطنين على مساحات المراعي والغابات للاستخدام السكني، وتم توزيع الأراضي ب"عشوائية" في مناطق ريف ظفار، وقد أشرنا في سابق الوقت إلى الدراسة التي تبنّتها وزارة الزراعة والثروة الحيوانية قبل سبعة عشر عاماً والتي كشفت عن "وجود 5289 من التجمعات السكانية في المناطق الرعوية"، ما أدى إلى تحويل الغابات إلى مناطق جرداء، وازدياد معدلات التبخّر، وانخفاض مستوى المياه الجوفية، وتؤكد الدراسات الميدانية  أن الوضع الحالي لغابات ظفار يُنذر بالتصحر بسبب الرعي الجائر، حيث تتزايد أعداد الإبل "بنسبة 20% سنوياً، بينما تزداد أعداد الأبقار بأكثر من 30%، إضافة إلى انتشار الآفات الحشرية، وقلة الأمطار مما يؤدي إلى نقص المياه التدريجي وجفاف وتيّبس الأشجار المحلية" .

وما يضمن التأكيد على مصداقية تلك الدراسات  ما تشير إليه بنود الاستراتيجية الوطنية لحماية البيئة بالسلطنة التي تركّز على تناقص "مساحة الغابات الطبيعية في ريف ظفار إلى خمسة وثلاثين ألف هكتار، بما يُقدّر بنحو (140) مليون شجرة، كما أن غابات الريف الظفار تتدهور بما نسبته 7% سنوياً، الأمر الذي يعني خسارة نحو 80% من مساحة الغابات التي كانت موجودة في جبال ظفار قبل 22 عاماً". هذا يعني، حسب ما صرح به الدكتور محاد بن عيسى شماس، أستاذ مُساعد في قسم الهندسة المدنية والبيئية بجامعة ظفار، وهو أحد الخبراء المختصين بشؤن البيئة بالسلطنة في مضمون دراساته المستفيضه عن الوضع النباتي في ظفار أن هذه المساحة "تقلصت حالياً إلى (10) آلاف هكتار بما يقدّر بنحو (40) مليون شجرة محلية، وهو ما يُشير إلى أن الجهات الرسمية لم تتخذ أية إجراءات تصحيحية حقيقية لحماية الغابات من الرعي الجائر وتوسع النشاط العمراني في سهول وجبال ظفار، حيث تحوّل مئات الهكتارات من مساحة المراعي والغابات الطبيعية إلى استخدامات سكنية وبنى تحتية، فالدراسات تؤكد بأنه "قد تم تقطيع عشرات الالاف من الهكتارات، ولم يتبق من الغابات المحلية حالياً سوى نسبة 20% من الأشجار التي كانت موجودة آنذاك".

وقد أوصت الدراسة التي قام بها الدكتور محاد شماس بإيجاد حلول مستدامة تتمثل في "إنشاء هيئة لسن التشريعات اللازمة لحماية وإدارة واستخدام الغابات الوطنية، والعمل على استعادتها وتنميتها وصولاً لاستدامة المناطق الغابوية، وإنشاء هيئة تسويق الماشية للتقليل من عمليات الرعي الجائر بهدف العودة لأعداد الماشية كما كانت قبل أكثر من ثلاثة عقود"، ألا أن هذه التوصيات لم تجد كالعادة اذان صاغية حتى الان.

بعد كل ذلك، يُؤكّد الدكتور محاد عيسى شماس صاحب مُبادرة تأسيس "الجمعية العمانية للغابات الطبيعية" على ضرورة "إشهار" "جمعية الغابات الطبيعية"، وقد أشار خلال حديثنا معه في أكثر من مُناسبة إلى أن الهدف الأسمى لهذه الجمعية المُحافظة على المراعي والغابات وتقييم التغييرات في الغطاء الحرجي، وتسعى الجمعية إلى إعادة مستويات الغابات الطبيعية عن طريق إقامة أحزمة خضراء وحمايتها وتنميتها للوصول إلى استدامة المظلة الشجرية، ومن هنا سيتحقق هدف الوصول إلى التوازن البيئي بواسطة المُحافظة على التوازن الدائم بين إنتاجية المراعي وأعداد الحيوانات في المرعى، كما يُناط إلى هذه الجمعية إعداد وتنفيذ برامج لنشر الوعي وتعزيزه لدى مختلف شرائح المجتمع، علاوة على إفساح المجال وتوفير الدعم لجميع المختصين لنشر الأبحاث والدراسات التي تخدم أهداف الجمعية بالتعاون مع مختلف المؤسسات ذات العلاقة.

وترتكز استراتيجية هذه الجمعية، المُرتجى "إشهارها"، على إنشاء مشاتل لاكثار النباتات المحلية، ويطمح مؤسسّوها إلى زراعة ما يقرب من ثلاثمائة مليون شجرة خلال ثلاثين سنه، بواقع 2000 شجرة للهكتار سعيا إلى العودة لمستويات الكثافة النباتية للغابات الطبيعية في سلسلة جبال ظفارالى وضعها الطبيعي التي كانت عليه عام 1980م، كما ترسم استراتيجيتها إنشاء حديقة طبيعية في محافظة ظفار تضمّ ما يقرب من 750 نوعاً نباتياً كبنك وراثي محلي وذلك لحماية النباتات والتراث المرتبط في الاستخدامات التقليدية في الطب وتشجيع السياحة المُستدامة، ودعم مشاريع التقنية البيئية مثل مشاريع الري بالتقطير زراعة اشجار خاصة من الاشجار كالتي تستخدم كمصادر للادوية مثل شجرة الثوور (مادة الصمغ العربي).

 لا نتواني في ترديد ما نقلناه في تدوينات انفة من أن هناك ما "يزيد على (1295) نوعاً من النباتات تنبت في أراضي السلطنة، منها مايقرب من (136) نوعاً أو فصيلة نباتية مُهدّدة بالانقراض بسبب توسّع النشاط الحضري وانتشار النباتات الغازية (شجرة الغاف البحري ونبتة البارثينيوم التي تنتشر في مختلف محافظات السلطنة كنموذج، لم تتمكن جهات الاختصاص من إستئصالها منذ ما يزيد عن عشرين سنه)، وحسب البيانات الصادرة عن وزارة البيئة والشؤون المناخية، فإن السلطنة تأوي ما يقرب من (546) نوعاً من الطيور (مُقيمة ومُهاجرة)، منها ما هو مُعرّض للتهدديات كالعقاب الأسفح الكبير وملك العقاب والزقزاق والكروان ذو المنقار المستقيم و النورس أبيض العين وغيرها، بسبب سوء استخدامات الأراضي الرطبة وإدخال أنواع غريبة دون الحصول على تراخيص رسمية (مثاله: طائر المينه الإعتيادية الذي ما زالت أجنحة "قضيّته" تُرفرف بين مكاتب المختصين بوزارة البيئة والشؤون المناخية وأروقة مجلس الشورى منذ زمن، حالت "البيروقراطية" دون الوصول إلى حلول علمية للتخلص منه حتى وقت تدوين هذه السطور).

منذ سنوات، ولأسباب ضعف الدعم المالي كما يزعم القائمين عليها، أوصدت "جمعية البيئة العمانية" أبوابها في محافظة ظفار، وأُسدل الستار على نوافذها، فانحسر أدائها، وتوقّفت جلّ أنشطتها البيئية في المحافظة التي هي بحاجّة ماسّة إلى أدنى مُستويات الدعم البيئي (تطوعّي وفني)، خصوصاً وأن المُحافظة تستحوذ على نصيب الأسد (75%) من جملة عناصر التنوع الأحيائي بالسلطنة، وبهذا، وفي ظلّ هذه المُعطيات، لا نتردّد في أن نضمّ صوتنا مع أصوات إخواننا في محافظة ظفار التي ما تزال تنادي بإيجاد الحلول لمختلف الإشكاليات البيئية التي تعاني منها منذ عقود، وتطالب بتسريع الموافقة على "إشهار" هذه الجمعية التي ستمثّل - بدون أدنى شك - "الذراع الأيمن" لجميع المؤسسات ذات العلاقة بالشأن البيئي بالمحافظة، وما قامت به هذه الجمعية من جهود كبيرة منذ تأسيسها في عام 2009م وتقوم به اليوم من جهد تطوعّي، ومُثابرة ودعم فني مُتميّز في حملة اجتثاث نبتة البارثنيوم (الغازية) التي تُلاقي صدى واسعاُ في مُختلف وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي يُعدّ مؤشراً حقيقياً يكفي لدعوة جهات الاختصاص النظر في مطالبات "إشهار" الجمعية بعين الجدّية، وللمسؤولين بمؤسساتنا الوطنية واسع النظر...!      

السبت، 15 أغسطس 2020

تحيّة لأبناء ظُفار

 

تدوين: يحيى السلماني

ما تقوم به الفرق التطوعيّة من جهود حثيثة لاجتثاث نبتة "البارثنيوم" في محافظة ظفار يدعونا جميعاً للتفاخر بمؤشرات مُرضية لما يوليه المجتمع المحلي من اهتمام، ونجاحها في إقناع المجتمع بمختلف شرائحه للمشاركة "طواعية" في مثل هذه الحملات التي تعود بالنفع على صحة الإنسان والبيئة المحيطة به.  

الناشط البيئي المُختص في مجال البيئة، على عكعاك، الذي نبّه، عبر وسائل التواصل الإجتماعي، عن الاثار الصحية والبيئية التي تسببّها هذه النبتة الغازية باعتبار أنها أضحت تُمثّل هاجسا يؤرّق بال المختصين بسبب انتشارها في سهول وجبال المحافظة، فهذه النبتة التي تتراوح جملة البذور التي تحملها –حسب ما خلصت إليه الدراسات العلمية- بين خمسة عشر ألفا إلى مائة ألف، وهي بهذا سجّلت نجاحاً كبيراً لاكتساحها مساحات شاسعة من البساط الأخضر بالمحافظة.  

هذه النبتة الدخيلة "الغازية" هي ليست الأولى من نوعها، فالدراسات البيئية تشير إلى أن السلطنة تعاني من جملة من أنواع النباتات التي تنتشر في ربوع السلطنة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: شجرة "المسكيت" والتي يطلق عليها محليا "الغاف البحري"، حيث تقدّر الدراسات وجود "ما بين 20 - 22 مليون شجرة،  وتتزايد سنوياً بمقدار 5%، وكل شجرة من أشجار "المسكيت" تنتج آلاف البذور سنوياً التي تنتقل عن طريق مجاري الاودية ومخلفات المواشي، وهي شجرة لديها القدرة على مقاومة جميع الظروف المناخية القاسية ما جعلها الأكثر انسجاماً مع طبيعة العديد من المناطق العُمانية".

نبتة "البارثنيوم" التي وصلت ظفار، حسب التقارير الرسمية، قبيل ما يقرب من عشر سنوات، لها نفس الاثار التي تخلفها شجرة "الغاف البحري"، فكلاهما تتنافسان على التهام الرقعة الخضراء، وتهددّان خصوبة الأرض، وتتسببان في إصابات صحية بالإنسان كالإصابة بالالتهابات الجلدية، وهما متسبّبتان في نفوق عشرات الحيوانات والطيور.   

لا يسعنا هنا، إلا أن نوجّه كلمة شكر لأبناء محافظة ظفار على الجهود التي يبذلونها بتفاني وإخلاص "لاستئصال" هذه النبتة السامّة، وكلنا أمل أن تتواصل مثل هذه الحملات التي تُسجّلّ مؤشراً حقيقياً لتنامي مستويات الوعي البيئي بمحافظة ظفار التي تستحوذ على ما يقرب من 75% من عناصر التنوع الأحيائي بالسلطنة.  

 

.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

"جلّنار" رمز للحياة وفاكهة لأهل الجنة

 

تدوين: يحيى السلماني

قُبيل بضعة أشهر، كانت تجربتي الأولى في غرس شتلة لشجرة الرمان، ففي عصر كورونا، أصبح التفكير بقضاء أوقات الفراغ بشيء مفيد له ضروراته، غرستها دون دراية أو سابق خبرة في علوم الهندسة الزراعية، ها هي اليوم بدأت تزهر وتتلّون أغصانها بألوان حمراء قُرمزية جذّابة، في كل صباح وأنا أراقب نموّ أغصانها وتفتّح زهورها، تسترجع مخيلتي شجرة رمان كبيرة وارفة الظلال، تلك التي كانت تتزين بها واجهة بيتنا في عقد السبعينات من القرن الماضي، تلك الرمانة "المُعمّرة" التي كانت زاهية بزهورها، شهيّة بمذاق ثمارها، ما تزال مُلتصقة بذاكرة شقاوة الطفولة المليئة بالفرح والغبطة. وفي كل صباح وأنا أُراقب "فسلتي" الصغيرة الجميلة، تستحضرُ مُخيلّتي عشرات لمشاهد زياراتي المتوالية لسفوح وقمم الجبل الأخضر، أستذكر أطفاله ونسائه، شبابه ورجاله وهم يتشاطرون الحديث، ويتقاسمون الجهد في رحلتهم الموسميّة لاقتطاف ثمار الرمان في نهاية فصل كل صيف (سبنتمبر _ أكتوبر)، يملؤون أوعيهتم السعفّية والبلاستيكية بثمارها، ثم يفترش بعض منهم أرصفة الطرقات الداخلية المتعرجّة بُغية تسويق حصادهم المُثمر، مُستهدفين الزوّار الذين يقصدون قراهم الجبلية التي تجتذبهم من كل حدب وصوب.

العديد من الدراسات تؤكّد على القيمة الصحيّة والاقتصادية للرمان، ولكن قبيل الخوض في الحديث عن  أهمية هذه القيم، نرتأي إلقاء إطلالة سريعة على قيمتها في التراث الإنساني. في الوقت الحالي، تزدهرُ أغصان شجرة الرمان بالأزهار، وأزهارها هذه التي تتلون بلون قرمزي يُطلق عليها إسم "جلنّار"، وهذا الإسم "جلنّار" هو تعريب، مثلما تُشير المصادر، للكلمة الفارسية "كلنار"، وتعني بلغتنا العربية "ورد الرمان أو زهرة الرمان"، تبدأ الزهرة تتفتح مع إطلالة فصل الصيف، فتتزين بها حدائق منازلنا وتبتهج بها أراضي بساتيننا، ولهذا نجد الكثير من الاباء يتباهون بإطلاق إسم "جلنّار" على بناتهم نظرا لما يتصف من جمال اللفظ وسلاسة النطق، ليعبّر عن جمال المحيّا لفلذات أكبادهم.

تاريخيا، تذكر المصادر إن الرمان كان يمثل الحياة والتكاثر والزواج في الحضارة اليونانية القديمة, وقد دخلت حكاياته وفوائده الخارقة في الكثير من الأساطير اليونانية، فقد أطلق عليه اليونانيون القدماء "فاكهة الميت"، نظرا لأن المُحتضر عادة ما يطلب ثمرة الرمان باعتبارها رمز للحياة. وفي مصر، فقد وجد المصريون شجرة الرمان "مرسومة على جدران مقابر تل العمارنة في عهد إخناتون"، ويرى أن "أحد ملوك الفراعنة ويدعى (تحوتمس) أحضر معه الرمان إلى مصر من آسيا، كما غُرست أشجار الرمان في حدائق بابل المُعلّقة"، وقد نُقشت رسومات للرمان في جدران وتماثيل المعابد القديمة، وتعتقد بعض الدراسات أن زراعة الرمان أنتقل غرسها  إلى شمال أفريقيا وبلاد الشام وبقية بلدان حوض البحر المتوسط، ويُقال أن العرب نقلوا فسائل الرمان فيما بعد إلى بلاد الأندلس.     

أمّا العرب المسلمون فقد عرفوا ثمار الرمان باعتبارها أحد "فواكه أهل الجنة"، فقد تم ذكرها أكثر من مره في القران الكريم، من بينها الاية رقم ( 68) بسورة الرحمن: "فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ"،  وفي الرمان، يُروى أن الرسول (ص) قال: "ما من رمانة إلا وفيها حّبة من رمان الجنة، فإذا تبدّد منها شئ فخذوه، ما وقعت وما دخلت تلك الحّبة معدة امرئ مسلم إلا أنارتها أربعين صباحا". وفي الأثر العربي، يُذكر أن سيدنا علي رضي الله عنه قال: "كلوا الرمان بشحمه، فإنه دباغ المعدة"، كما تمّت الإشارة إليها في بقية الكتب المقدسة، ففى التوراة يُرمز الرمان إلى "الحرمة والقداسة والخصوبة"، ولذلك فاليهود كانوا يزيّنون "أعمدة هيكل سُليمان وملابس ملوكهم وأحبارهم بالرمان"، وعند المسيحيين، يُعتبر الرمان "رمزاً للبعث والحياة الأبدية"، فهو، أي الرمان، يوجد في نقوشهم المسيحية وتماثيلهم المقدسة كما تم تضمينه في صور "العذراء والطفل"، إضافة إلى إن شجرة الرمان هي التي "كُبّل فيها حيوان وحيد القرن في أسطورة تجسيد المسيح"، كما تحتل شجرة الرمان القداسة عند البوذيين، ففي أسطورة شخصية (هاريتي) اليابانية التي كانت "مُتوحشة وتأكل الأطفال، فقد شُفيت من الشرّ بعدما أعطاها بوذا رمانة لتأكلها"، وقد تم ذكر الرمان في طقوس الديانة "الزرادشتية" التي نشأت وانتشرت عقيدتها في بلاد فارس.

ولشجرة الرمان وثمارها حضورهما المُلفت في أروقة التراث الأدبي العربي، فقد تم ذكرها في الأشعار، وتغّنت بها الشعوب وكان وما يزال لها حضور في أمثالنا الشعبية، والمثل العربي الشائع: "مش ع رمانة، بس القلوب مليانة"، ما يزال يتداول في حالات التقليل بالأسباب الظاهره عند حدوث مُشكلة كبيره، ولم تغب الرمانة عن مساقات أدباء العرب حتى وهم في مهجرهم، فها هو شاعر المهجر والفنان جبران خليل جبران، يتخذ من الرمانة نموذجاً لأحد مساقاته الأدبية، حيث يقول في أحد أعماله المُعربّة: "عشتُ مرة في قلب رمانة، و بينما أنا جالس يوماً في خليتي سمعتُ حبة تقول: سأصير في المستقبل شجرة متعالية تترنم الأرياح بأغصانها و ترقص الشمس على أوراقها و سأكون قوية جميلة على ممّر الفصول. فأجابت حبة ثانية و قالت: ما أجهلك أيتها الرفيقة! فإني كنتُ صغيرة مثلك حلمتُ أحلامك ولكنني بعد أن صرتُ قادرة على تحديد كل شيئ بمقياس ومعيار أدركتُ أن جميع آمالي كانت باطلة. ثم قالت حبة ثالثة: أما أنا فإنّني لا أرى فينا ما ينبئ بمثل هذا المستقبل العظيم .فأجابت حبة رابعة وقالت: إذا لم ترمِ حياتنا الى مستقبل أنبل و أبهى فباطلة هي. فوقفت إذ ذاك حبة خامسة وقالت: ما بالنا نتجادل فيما سيؤول إليه أمرنا في المستقبل في حين أننا لا نعرف ما نحنُ عليه اليوم. فقالت حبة سادسة: إنّنا سنظل على ما نحن عليه الآن. فأجابتها حبة سابعة قائلة: إن في ذهني صورة واضحة للمستقبل و لكنني لا أستطيع أن أرسمها بالالفاظ .ثم تكلمت حبة ثامنة و تاسعة و عاشرة و حبوب كثيرة حتى تكلّم الجميع، فلم أفهم شيئا لوفرة الأصوات وبلبلتها، فتركتُ الرمانة في ذلك اليوم، وأتيت فسكنتُ في سفرجلة "فاكهة تشبه التفاح" حيث لا يوجد إلا قليل من الحبوب تعيش بصمت و سكون".

وفي روايته الشهيرة "وحدها شجرة الرمان"، تتحوّل شجرة الرمان عند الشاعر والروائي العراقي سنان أنطون بصورها "الفنتازية" إلى رمز للموت والحياة، لأن حبيبات ثمارها لذيذة ألا أن بطل الرواية يرفض تناوله "لامتلائه بالموت"،  فشجرة الرمان في هذه الرواية كانت ترتوي من مياه حوض لغسل الموتى، وهي رواية تصف مأساة العراق والموت الذي يلتهم قلب بغداد "المُحتلة"، فالحياة عند بطل الرواية "رائعة" لكنه الان لا يتمتّع بها، "فكل روعة صارت كثمرة الرمان مليئة بالموت والحزن"، وهو بهذا حال لسانه يقول: أن على الانسان أن يتحوّل إلى شجرة رمان كي يستطيع الاستمرار في الحياة، وأن عليه القيام بقرار "فلسفي" لتحويل ماسيها وأحزانها والامها إلى بهجه. يذكر في نص الرواية عن شجرة الرمان هذه التي تروى بمياه غسيل الموتى: "نظرت إلى تُربتها الغامقة المبلّلة بماء الغسل الذي كانت قد شربته للتو، عجيبة هذه الشجرة، تشرب ماء الموت منذ عقود لكنّها تظل تورق كل ربيع وتزهر وتثمر، ألهذا كان أبي يحبها كثيراً؟ كان يقول بأن في كل رمانة حبة من حبات الجنة، لكن الجنة بل الجنات كلها دائما هناك في مكان اخر، والجحيم كله هنا، ويكبر يوماً بعد يوم، جذور شجرة الرمان هذه مثلي هنا في أعماق الجحيم"، ويستطرد مُتسائلاً "يا ترى هل تبوح الجذور بكل شيء للاغصان ام انها تخبيء عنها ما يوجع، ترتفع اغصانها وتبدو حين تداعبها الريح كأنها تحاول ان ترفرف لتطير لكنها شجرة قدرها أن تكون شجرة وأن تكون هنا؟“. 

وعندما نسترسل في البحث عن جلنار والرمانه من بين أرفف الادب العربي، نعثر على قصيدة للشاعرة المغربية فوزية أمين التي تستشعر في ديوانها "وعود الجلنار":

عصفورة غجرية يغشاها الحنين

تعيش في بستان الحواس

وبخيط من ندى

تروض الجلنار على رقصة زهرية

واسترسالاً لأهميتها الثقافية في الوسط العربي، فأننا ما نزال نردّد بين الفينة والفينة طرباً أغنية "هيلا يارمانه، الحلوه زعلانه، مين يراضيها..."، أحد أعذب الأغاني التي ذاع صيتها في مختلف المدن العربية خلال الفترة الذهبية للأغنية الكويتية، كما لا نزال نستحضر الفنانة اللبنانية القديرة فيروز وهي تشدو طرباً بصوتها الملائكي بأغنية "البنت الشلبّيه" التي تقول في أحد مقاطعها:

"بتطل بتلوح، و القلب مجروح

و أيام عالبال .. بتعن و تروح

تحت الرمانة .. حبي حاكاني

و سمعني غناني يا عيوني، وتغزّل فيّا"

صحيّاً، فقد وُصف الرمان في الطب القديم في أكثر من موضع، فقد استخدمه المصريين القدماء في الطب، بعدما عرفوا "فاعليته في مكافحة الديدان المعوية منذ أكثر من 4 آلاف سنة، واستعملت قشور جذوره في مكافحة الدودة الشريطية"، وفي الطب النبوي ما أشار إليه الفقيه والعالم إبن القيم الذي دوّن بأن "الرمان مقو للمعدة، نافع للحلق والصدر والرئة، ماؤه ملّين للبطن، وله خاصيّة عجيبة: إذا أكل بالخبز يمنعه من الفساد في المعدة ...". وتذكر مصادر الطب القديم أن قشرة الرمان تحتوى على مواد طبية "قابضة للإسهال وموقفّة للنزيف، وعصير الرمان مُضادّ للتقيؤّ ويحدّ من الام السعال، والمادة الغذائية للرمان تساهم في تأمين توازن ضغط الدم وخفض منسوب الدهون، والتقليل من الكلوسترول وأمرض القلب وتصلّب الشرايين، ويمنع هشاشة العظام وهو أيضا فاتحاً للشهية". وفي كتب الطب القديم يؤكد العالم النباتي الصيدلاني إبن البيطار الذي كتب واصفاً فوائد زهر الرمان "جلنار" في علاج بعض الأمراض: “أزهار الرمان تشد اللثة، وتضمد الجراح، والتمضمض بطبيخ الازهار يقطع نزيف اللثة الدامية".  الدراسات الطبيه الحديثة تؤكد على الفوائد الصحية الجمّة للرمان، فالدراسات البحثية تشير إلى أن الرمان تختلف ميزاته وخصائصه باختلاف أنواعه، فالنوع الحلو منه يحتوي على "حمض الليمون بنسبة 1%، والسكر بنسبة 7%، والبروتينات بنسبة 1%، وألياف بنسبة 2% ورماد بنسبة 4.7%، ودسم بنسبة 3% وماء بنسبة 81.3% وفيه مقادير ضئيلة من الأملاح المعدنية وخاصة الحديد، وفيتامين (ج)"، والدراسات التخصصية تفيد بأن الرمان يسخدم في صناعة المكونات الغذائية، ومُستحضرات التجميل ودباغة الجلود وصناعة السجاد.

على المستوى الوطني، تتوافر أشجار الرمان بكثرة في مختلف أرجاء السلطنة، ألا أن زراعتها ترتكز في قرى نيابة الجبل الأخضر بمحافظة الداخلية، وتشير الاحصائيات إلى أن هناك ما يزيد على 27000 شجرة رمان، يصل إجمالي إنتاجها ما يقرب من 645 طناً من ثمار الرمان بالجبل سنوياً، تتنوع جودتها بين الحامض والحلو والملاسي والقصم، وتتباين أحجامها بين المتوسط والكبير، وتبلغ القيمة التسويقية لمحصول الرمان ما يقرب من 2,5 مليون ريال سنوياً، وهو ما يمثّل أحد المصادر الرئيسية لدخل المواطن بهذه المنطقة الاستثنائية. 

في دراسته العلمية، يذكر الدكتور "لينوس أوبارا (Dr. Linus Opara ) أنه بالرغم من انتشار زراعة الرمان في العديد من أقطار العالم إلا أن الادب العالمي قد أقرّ بالجودة العالية لنوعية الرمان العماني، ومن أهم الادباء الذين أشاروا لذلك المُستكشف تشارلز بيكرينج (Charles Pickering) الذي قام برحلة جاب فيها العالم درس خلالها الجنس البشري وثقافاته وأنظمة الانتاج الزراعي والحيواني، ذكر في أحد مؤلفاته " أن الرمان المنتج في مسقط يعتبر من النوعية ذات الجودة العالية جدا" وذكر في الثقافات القديمة أن الرمان العُماني كان يصدّر إلى بلاد الهند وهذا دليل قاطع على ازدهار البستنة وإنتاج الرمان منذ القدم في عمان، وتنوّه نتائج الدراسة إلى أن "رمان الجبل الأخضر يحوي كميات من المركبّات الصحيّة تُضاهي تلك الموجودة في فاكهة الرمان المستوردة"، وأظهر البحث أن الرمان المنتج بالجبل الاخضر "ذو جودة عالية وذو فائدة طيبة وصحية هامّه".

وفي السلطنة، يبدو أيضاً أن شجرة الرمان تثبت أهمية حضورها في أحد أهم الرموز الدينية والثقافية بالسلطنة، حيث تشير الدراسة الانفة الذكر أن السجادة العملاقة التي تكسو أرضية جامع السلطان قابوس الأكبر التي تُغطي مساحة 4263 متراً مربعاً تتألف من 1700 مليون عقدة وتزن 21 طناً قد "نُقشت في أجزاء كثيرة منها بصبغات مصنوعة أو مُشتقة من فاكهة الرمّان"، وهذا يُعطي دلالة أخرى كبيرة لأهمية هذه الشجرة وثمارها والتصاقها بثقافة عقيدتنا الإسلامية.

الحقيقة "المُرّه" التي تُزعجنا عند الحديث عن ثمار أشجار الرمان بالجبل الأخضر هي إصابتها بافة «فراشة الرمان»، وهي افة زراعية  تُعرّضّها لهجوم مُباغت من "الحشرات المترممّة والفطريات والبكتيريا"، ومنذ بروز هذه الآفة في تسعينيات القرن المنصرم، والجهات المختصة ممثلة بوزارة الزراعة والثروة السمكية تتبنّي برنامجاً خاصاً لمكافحتها "ميكانيكيا وكيميائيا"  بواسطة استخدام المبيدات الآمنة صحيا، إضافة إلى انتهاج طرق "المكافحة الحيوية" التي ترتكز على  برنامج متخصص في  "تربية وإكثار وإطلاق طفيليات الترايكوجراما" التي تقضى على الآفة في طور البيض قبل الفقس إلى اليرقات وإحداث الضرر للثمار، وبالرغم من أن جميع هذه الجهود التي تبذلها الوزارة بالتعاون مع الجمعية العمانية لمزارعي أشجار الرمان التي تأسست لاحقاً في عام 2014م تلاقي تقديراً منقطع النظير من قبل المستفيدين منها بنيابة جبل الأخضر، ألا أنها لم تتمكن بعد من القضاء نهائياً على هذه الافة المُزعجة. 

لا يسعنا هنا إلا أن نوجّه تحية شكر وعرفان بالجميل لجميع الجهود التي تبذل لتذليل كافة المعوقات التي تعترض مزارعي أشجار الرمان، بواسطة تبنّي التكنولوجيا الحديثة وتعزيز الوعي بإتباع العلميات الزراعية المثلى، والتشجيع على استخدام المًبيدات الصديقة للبيئة، وتطبيق أساليب الريّ الحديثة، وهي جهود لا بدّ من أن تأتي بثمارها في قادم الوقت بمشيئة الله.    

يبقى القول، مع إطلالة كل صيف، تبدأ "جلنّار" بالتفتّح، فتستعيد رونق دورة حياتها بعد سباتها لأشهر، غابات أشجار الرمان تتدّلى منها ثمارها الحمراء اليانعة، وهي بهذا كمن يدعونا للتطلع إلى التأملّ في الطبيعة، والاهتمام بمنتجها، ومن يحالفه الحظ بزيارة الجبل الاخضر خلال هذه الأيام سيحظى بالتمتع بمناظر بانورامية لغابات هذه الشجره المُزدهرة منها والمثمرة، وسيستمتع، كما استمتعنا في سابق الوقت، بضيافة أبناء الجبل ممن يتصفون بالودّ وبكرم الضيافة، ليتقاسم معهم بعضاً من مذاق لالئ ثمار هذه الفاكهة التي تقدّسها مختلف الأديان، وينصح بفوائد ثمارها الصحية الأطباء، ويتنشّد بها الأدباء والشُعراء، ويتغنّى بها نجوم الفن والطرب، أما أنا فسأواصل، هذا العام، استئناسي برقصة"جلنّار" في إحدى زوايا بيتي، مُتلهفّاً مشاهدتها ومراقباً لزهورها وهي تتفتح مع شروق فجر كل صباح، علّني أجني أول ثمرة رمان غرستها يداي، قد تعود بذاكرتي عشرات السنوات لم أُجاهر خلالها نفسي قبل غيري بالكثير والكثير من الأحاسيس الناعمة، اليوم، ها أنا ذا أبوحُ بما شعرت وما زلت أشعر به من "محاكاة فيروزية" تجاه مع من كان يتقاسم معي بودّ حبيبات الرمان تحت أغصانها الوارفة الظلال مُتمتماً ما تردّد على لسان الشاعر جمال مُرسي وهو يتغزّلُ في عشيقته "جلنّار":

يا " جُلَّنارُ " و قد ردَّدتُ أغنيةً، للبحر هل ضنَّت الأمواجُ و النَّغَمُ

أرى اليراعةَ جفَّ الحِبرُ في فمِها، و في يمينكِ غنَّى الحبرُ و القلمُ

أنت القصيدةُ و الأشعارُ لو نَطَقَت، قالت : لسيدةِ الأشعارِ نحتكمُ

فلتسكبي النورَ في الأجواءِ يا ألقاً، قد زانَهُ النبلُ و الإيثارُ و الكرمُ


خور الملح موطن الذهب الأبيض

  تدوين: يحيى السلماني مع بداية فصل الصيف التي تمتد من مايو حتى شهر أكتوبر تنشط وتيرة انتاج الملح بالطريقة التقليدية في ولاية قريات. وبنهاية...