السبت، 7 أغسطس 2021

قبل أن تفقد موائلنا توازنها البيئي

 

تدوين: يحيى السلماني   

تحظى السلطنة بمقومات طبيعية فريدة توّفر مناطقها الفرص الحقيقية لاجتذاب الطيور البرية والبحرية، فهناك ما يربو على 500 نوعاً من الطيور المقيمة وتلك المهاجرة التي تتخذ من جبال وأودية وسواحل السلطنة مواقعاً استثنائية للتكاثر وأخذ قسطاً من الراحة خصوصاً أثناء تخطّي مسارات هجرتها لمسافات طويلة، وبهذا، تصبح هذه المواقع موائلاً طبيعيةً يقصدها العديد من هواة مشاهدة وتوثيق الطيور ليتمكنوا من صد أنواعاً جديدة من أنواع الطيور في مواسم تعشيشها وتكاثرها خلال الفترة من أكتوبر حتى نهاية شهر مارس من كل عام.

ألا أن التنوع الأحيائي للطيور الذي تتميّز به السلطنة تشوبه بعض الإشكاليات وتتخلله بعض من التجاوزات تتمثّل فيما يُطلق عليه "الطيور الغازية". ويمكن تلخيص المعنى الحقيقي للطيور "الغازية" بأنها أنواع من الطيور (غير أصلية) نشأت في بيئات خارجية تسهم في تهديد النظام البيئي والاقتصادي والصحي، فهي تمثّل إشكالية كبيرة لأنواع الحياة البرية وتُقلّل من حجم المحصول الزراعي، فضلا عن أنها قد تؤثر على صحة الإنسان.

يُعتبر طائر المينا الاعتيادية Acridotheres tristis إحدى الطيور "الغازية" التي باتت شائعة في مختلف محافظات السلطنة، فهي تنتشر بشكل ملحوظ في أحيائنا السكنية وحدائقنا العامة وواحاتنا الزراعية، وهي لا تتوانى في مُهاجمة أعشاش الطيور لتلتهم أفراخها الصغيرة مما قد يُعرضها لخطر الانقراض، وتعبثُ بالمحاصيل الزراعية لتتسبّب في تدنّي الإنتاجية ومن ثم تقلص مردودها الاقتصادي.

فقد سجّلت الكثير من الدراسات التي تبحث تأثير هذه الطيور على هذه المحاصيل تأثيراتها على محاصيل الفواكه، يذكر المختصون أن هذه الطيور ستتسبّب في إحداث خلل في التوازن البيئي، ففي محافظة ظفار "استطاع طائر المينا القضاء على الكثير من الطيور التي كانت تتكفل بالقضاء على أسراب الجراد، ما يُفسّر انتشار الجراد دون رادع طبيعي، وبهذا قد تظهر في وقت لاحق أنواع أخرى من الزواحف والحشرات والقوارض وليس الجراد فقط والتي كانت طيور معينة كالغراب المحلي تقضي عليها". وهو ذات الحال الذي حدث في غالبيّة المناطق الساحلية بعد سيطرة طائر المينا على المُحيط الحيوي فتناقصت أعداد "الغراب المحلي" بشكل مُلفت للنظر، وأصبحت المحاصيل الزراعية مرعى للمينا "الغازي" ثم يتسع انتشاره "ليغزو" الحواضر العُمانية.

وقد سجلت بعض الدراسات الميدانية العديد من الملاحظات للآثار الاقتصادية لهذا الطائر، من بينها اتلاف محاصيل الفاكهة المحلية (العنب والمشمش والتفاح والتين)، ناهيك عن أنها تُساهم في زيادة مستويات الضوضاء لما لها من صوت مزعج وعالٍ لأنها تعيش في شكل جماعات، وبهذا تم تصنيفها حسب القائمة الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) "كأحد 100 نوع من أسوأ الأنواع الغازية في العالم".

هذه المؤشرات تجرّنا إلى حقيقة إن طائر المينا يُهدد تنوعنا الأحيائي، فهو من الطيور التي تتكاثر بسرعة فائقة، وبهذا يتمكّن من مُنافسته للطيور المُستوطنة (المحلية) على الموائل والغذاء، ولذلك، فإن انتشار هذا الطائر سيؤدي (حتماً) على المدى المتوسط إلى سلسلة من "التغييرات الإيكولوجية"، تتمثّل في تغيير "التركيبة الديموغرافية" لعناصر التنوع الأحيائي بالسلطنة.

لا نبيح سرّاً إن نسبنا السبب الأول لانتشار هذا الطائر هو نقلها بواسطة "الاستيراد المُرخّص رسمياً"، ثم التسويق لها في محلات بيع الطيور، ممّا يضطر بعضها إلى "الهروب"، أو في حالات أخرى قد يتم تحريرها من قبل تجّار التجزئة، وهو ما يوفّر لها مناخات مُناسبة لتتكاثر على شكل مجموعات صغيرة، وتتزايد أعدادها مع مرور الوقت.

ولمزيد من المعرفة عن  المينة الاعتيادية، هي طيور حسنة المظهر جيء بها مواطنها الأصلية بجنوب شرق اسيا، تتميّز بقدرتها الفائقة على مُحاكاة وتقليد حديث البشر، فالدراسات تشير إلى أنه ينمكّن من "تقليد أكثر من خمسة أصوات مُختلفة"، وإن كان الهنود يطلقون عليه "صديق المزارع" لأنه يقضي على الحشرات التي تُدمّر محاصيلهم الزراعية، ويتباهون به باعتباره "فأل خير" في حياتهم "الفلاحية"، ألا أنّ نظرتنا اتجاه هذا الطائر تبدو مُغايرة ومُختلفة تماماً، فهو في واقع الأمر طائرٌ "عدوانيٌ" ساعدته الظروف التي هُيأت له العبث بعناصر بيئاتنا الطبيعية التي تتوافق مع طبيعة هذا الطائر "الغازي" ولا تنسجم مع سلوكياته "العدوانية".

ناقشنا في مدوّنات سابقة مواضيع لها صلة بالأحياء الدخيلة (الغازية)، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: انتشار نباتات "البارثنيوم" وأشجار المسكيت (الغاف البحري)، فكلاهما تتنافسان على التهام الرقعة الخضراء، وتهددّان خصوبة الأرض، وتتسبّبان في إصابات صحية بالإنسان كالإصابة بالالتهابات الجلدية، وهما متسبّبتان في نفوق عشرات الحيوانات والطيور بالسلطنة.

وفي الوقت الذي نطرح فيه اليوم بعض من تفاصيل الاثار الصحية والبيئية لانتشار طائر المينا، نتساءل: ألم يحن الوقت بعد لإعداد خطة (عمليّة) لمُكافحة مثل هذه الطيور الدخيلة "الغازية" للحدّ من اثارها والتقليل من أضرارها على عناصر موائلنا الطبيعية؟ إلى متى ستبقى الإشكاليات المُتعلقة ب"الكائنات الغازية" من (نباتات وطيور) مُهمّشة، ومركونة في أدراج المسؤولين عن هذا القطاع الحيوي دون المبادرة لصياغة استراتيجية تتفادى من خلالها اثارها المُدمّرة على بيئتنا؟ نرى أن "تحريك" هذا الملف أضحى واجباً وطنيّاً ومطلباً بيئيّاً مُلحّاً، والتواني أو التهاون سيُكلّفنا حتماً فقدان مخزون موائلنا لتوازنها البيئي.   

الأربعاء، 7 يوليو 2021

الدفلة: داءٌ ودواء ...!

 

نبتة الدفلة هي إحدى الشجيرات التي تنتشر في حدائقنا العامة وتُغرس على محاذاة شوارعنا الرئيسية والفرعيّة، بل أصبحت هذه الشجرة اليوم شائعة في أحيائنا السكنية حيث تتزيّن بها حدائق بيوتنا، هذه الشجرة الدائمة الخضرة تتميّز بأغصانها الطويلة، وأوراقها السميكة، وزهورها التي تتلوّن بالوردي والأصفر والأبيض. قد تبدو هذه الشجرة للبعض بأنها فصيلة جديدة مُستحدثة، ألا أن المصادر العلمية تشير إلى أن الشعوب القديمة قد استخدمتها في الكثير من الأغراض الطبية.

وبهذا يمتد وجود هذه الشجر لآلاف السنين، فقد وَرَدَ ذكرها في نصوص قديمة وروايات شعبية منذ أكثر من 1500 سنة، فاستخدمها الإغريق، والبابليون والرومان والعرب والهنود، وبالرغم من سميّتها تبين الدراسات أن لها خصائص علاجية، فقد استخدمت عصارات أوراقها وأغصانها لمعالجة العديد من الأمراض من بينها على سبيل المثال لا الحصر: التهاب الجلد والأكزيما والصدفية والقروح والأورام والربو والملاريا والسكري. ويُستخلص من هذه الشجرة مادة منشطة للقلب ومُضادة للبكتيريا، وتساعد في الحد من انتشار الخلايا السرطانية في الرئة. كما أن زهرة الدفلى صُممّت كرمز رسمي لمدينة هيروشيما اليابانية، باعتبارها أولى الأزهار التي تفتّحت بعد إلقاء القنبلة الذرية على المدينة عام 1945.

وبالرغم من الفوائد الطبية لهذه الشجرة ألا أن هناك بعض الدراسات الحديثة تُؤكد على أنها تتسبّب لمُتلقي العلاج بها بالغثيان والاسهال والخمول والكسل، وتسبب الصداع والام المعدة، ومشاكل خطيرة في القلب. وتصفها بعض الدراسات المختصة في علوم النباتات أن هذه الشجرة تعتبر أحد مصادر التسمم النباتي الخطير، فعلى سبيل المثال: أصبحت شجرة الدفلى تلاقي سمعة سيئة في سيريلانكا لارتباطها في الأذهان كأداة للانتحار، وهي تُسبّب في نظرهم الإغماء ثم الموت.  

وتُشير بعض الدراسات إلى إن الطبخ على نار حطب "الدفلى" قد يُسمّم الطعام المطبوخ أو اللحم المشوي، وأظهرت دراسات أجريت على حيوانات أعطيت خلاصة "الدفلى" أن الثدييات حسّاسة بشكل خاص، حيث أن الأبقار والأغنام والخيول قد تنفق إذا تناولتها وحتى إذا شربت ماء سقطت فيه أوراقها.

تقارير طبيّة أكدت أن يخضع الشخص في حال أكلها إلى عناية طبية فورية؛ حيث يتم اللجوء إلى حفز التقيؤ وغسل المعدة كإجراءين وقائيين لتقليل امتصاص الجسم للمركبات السامة. يأتي ذلك في الوقت الذي بيّنت فيه تقارير بأنه قلّما يُبّلغ عن حوادث تسمم للبشر نتيجة تناول "الدفلى".

تزهر "الدفلى" طوال فصل الصيف حتى الخريف، وتتنوع ألوان أزهارها بين الزهري والأحمر والبنفسجي والأبيض والأصفر، وتزرع على نطاق واسع كأشجار زينة أو كأسيجة حول الأراضي وفي الحدائق العامة والخاصة وعلى جوانب الشوارع والطرق السريعة؛ لأنها تتحمّل الجفاف، كما أن سمّيتها تردع الحيوانات عن العبث بها ويمكن اعتبارها مبيداً طبيعيّاً للحشرات. المصادر الزراعية تشير إلى أن شجرة "الدفلى" شجرة جميلة دائمة الاخضرار تنمو حتى ارتفاع نحو ستة أمتار، وهي تتكيف مع تشكيلة واسعة من الظروف، ومنها المناطق شبه الجافة والمعتدلة، ومن مزاياها أنها تتحمّل الجفاف والرياح والمياه المالحة، وتتكيف مع خصائص تربة الأراضي الرطبة.

وفي الوقت الذي يطالب فيه بعض المختصون في مجالي الصحة والبيئة بإزالة هذه الأشجار باعتبار أوراقها تحمل مواد شديدة "السمّية" للإنسان والحيوان والطيور واستبدالها بأشجار أخرى، في المُقابل، هُناك من يؤكّد بان هذه النبتة لا تبلغ حدّ "السميّة" إلا إذا "تناول الانسان منها ما يعادل 30 – 100 جرام"، وتُلفت الدراسة على أن هذه النباتات موجودة في الحدائق في مختلف دول العالم، وهي "تُساعد على امتصاص ملوثات الهواء بالمُدن ذات الكثافة السكانية العالية"، وينظر العلماء حاليًّا في الية لاستثمار الفوائد الصحية لعصارات "الدفلى" التي باتت تستخدم في العقاقير كمقويّات لجهاز المناعة وكعلاج طبيعي لبعض الأمراض.

وبتنامي مستوى الوعي بخصائص هذه الشجرة، التي يُطلق عليها محلياً "الحبن" وبعد تدارس وضعيها: الإيجابي والسلبي، بدأ الكثير من المواطنين والمُقيمين بالسلطنة يتوجّسون خوفاً، ويفكرون مليّا قبيل الشروع في غرسها بالساحات الداخلية لمنازلهم، والجميع يترقّب وجهات نظر جهات الاختصاص "العلمية" وما قد تُسدي به من "نصائح" حول الاثار الصحية والبيئية المترتبة على زراعة هذه الشجرة في منازلنا فضلاً عن توسّع انتشارها في الحدائق والمنتزهات العامة.

الأحد، 13 يونيو 2021

إلى روح نمر أديب ...!

  

تدوين: يحيى السلماني

"وإن الناس جمعهم كثيرٌ، ولكن من تُسرّ به قليلُ ...!"  

في السابع عشر من شهر سبتمبر 2020م، ودّعت، مُكرهاً، صديقي ورفيق دربي وأستاذي نمر أديب الذي تتلمذت على يديه أبجديات الإعلام البيئي، وأنا أودعه، قبيل مغادرته السلطنة متوجهاً إلى مصر "أرض الكنانة" لم يكن لديّ ما أقوله، غير أني واسيته هامساً: "هكذا هي الحياة، فكل لقاء يعقبه فراق"، أخفيت عنه، متعمّداً، عيناي اللاتي كانتا تذرفان دموعهما، ولم أبيّن له بأن روح قلبي تتحرّق ألماً، طبطبت على كتفيه، بينما تعلو محيّاه مسحة ألم عميق، ثم وعدته بزيارتي له ريثما تتهيأ الظروف لي مستقبلاً، قبّلته وترددّت على حضنه الدافئ، ودعته ولم يكن لحديث وداعه إلا الصمت، ولم أتذكر وأنا أتردّد على حضنه سوى صدق الأحاسيس ونبل المشاعر، ثم أدرت ظهري مُستذكراً عشرات من القصص والحكايات والمواقف التي تختزل مسيرة ما يزيد عن 27 عاماً من الصحبة والمودّة والألفة.

عصر اليوم، صُدمت بخبر وفاته الفاجع بعد صراعه مع مرض ألمّ به منذ أشهر، يرحل نمر أديب بعدما أكمل عقده الثامن، ثمانين عاماً قضاها بين طالب للعلم وبين صحفي يتقصّى بحسّه المهني المُرهف حقيقة قضايا الإنسان والبيئة المحيطة به، مارس مهنة "البحث عن المتاعب" فأبدع في صياغة مختلف القوالب الصحفية، طاف عدد من بلدان العالم وتغرّب ساعياً إلى تطوير مهاراته ولاهثاً لتأمين لقمة عيشه، والتمكن من الإيفاء بمستلزمات الحياة اليومية.

مكوثه في السلطنة كان الأطول بين جلّ رحلاته، أستذكر مسارات سيرة حياته التي أمضاها مُنافحاً بقلمه وبثقافته الواسعة، منذ معرفتي به، لم أرى فيه غير التواضع ودماثة أخلاقه، وتمتّعه بمهارات أدب الحوار، وتحلّيه بمصداقيته وتفانيه في أداء مهامّه، وجرأته في طرحه لقضايا الإنسان والبيئة، وجدّيته في البحث، ودقته في الطرح، وبالرغم من التعب الذي "تكدّس" عليه في زحمة أيامه، كان لطيفاً في تعامله، مُحبّاً للنكتة والمزاح.

كرّس وقته للإرتقاء بمجال الصحافة البيئية بالسلطنة، فوظّف سعة اطلّاعه، وتفانى في تأهيلي وتنشئتي وتوجيهي مع بقيّة زملائي وعياً وسلوكاً ومهنيّة، وبهذا، يُعدّ رحيله خسارة كبيرة للساحة الصحفية، لكن قصاصات كتاباته، ومدوّناته الصحفية ستبقى ذاكرة خالدة في أرشيف صحافتنا البيئية، وشمعةٌ معرفيّةٌ يستنير بها كل طالب وباحث عن المعرفة. رحل نمر أديب، تلك القامة الإعلامية الإستثنائية، تاركاً معروفه وإحسانه وهويّته الصحفية هي من تتحدّث عنه، رحل عنّا تاركاً فراغاً كبيراً وفجوة واسعة في قطاع الإعلام البيئي، لن يملأها إلا ممّا يزال يتصف بأخلاقيات المهنة الصحفية والحس البيئي المرهف.

يقول الفيلسوف باسكال: "ليس هناك خيرٌ في الحياة إلا الأمل في حياة أخرى، ولا يكون المرء سعيداً إلا بقدر اقترابه من هذا الأمل"، فإذا كان الموت هو النهاية الحتمية التي لا مفرّ من شرب كأسها، فلنجعله، أعني الموت، أملٌ لحياة أخرى مليئة بالسعادة، قد تتحقق فيها بعض من امالنا وطموحاتنا التي لم تسعفنا الأقدار على تحقيقها في الدار الأولى، وإن إختلفت ردود أفعالنا حين يأتينا مثل هذا المصاب الجلّل في من نُحب لنعبّر عن ما تختلجه صدورنا من الحزن والاسى، فما علينا إلا أن نواسي أنفسنا مستنيرين بمقولة الفيلسوف والأديب الفرنسي مونتسكيو: "يجب أن لا نبكي على أصدقائنا، إنها رحمة أن نفقدهم بالموت ولا نفقدهم وهم أحياء".  

رفيق دربي:

سبعٌ وعشرون عاماً من الزمالة، مرّت السنون كومضة برق، أثناء لحظات وداعك الأولى تيقّنت أن (المحبة لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق)، والان وقد جاء اليوم الذي انقطعت فيه همزة الوصل بين روحك ومُحيّاك الباسم المكتنز بهجة وأمل، ها هي ذكريات سنين طويلة من الرفقة والزمالة ستبقى حتماً محفورة في الذاكرة.

مُعلمّي الباسم:

إعلم أن رحيلك يُرهق القلب بالحزن والوجع، ويُدمي الروح، رغم كل ذلك، سأتحمّل مرارة الأيام من دونك، وأعدك بأنني لن أنسى بسمة محياك، ولا همس كلماتك، ولا إسداء نصيحتك التي ما تزال تجري في دمي: "ما استحق أن يولد من عاش لنفسه"، تلك الحكمة التي واضبت على ترديدها مرات ومرات حتى حفظتها عنك عن ظهر قلب، ولن أنسى وفائك وكرم عطاياك، وسأحتفظ بكنز ورصيد معرفتك ومعارفك، وإن فرّقت بيننا صروف الدهر، سيبقى لك في صدورنا قلوب تنبضُ بك، وتحيا بذكر محاسنك، سأبقى مديناً لك بالفضل الكبير في مسيرتي المهنية، ولن أتوقف عن الكتابة لأجلك، وسأواصل حديثي عنك رغم مرارة ذكرى رحيلك.

أخي الغائب الحاضر:

ودّعتك قُبيل سفرك حابساً دموعي املاً أن نلتقي في قادم الوقت ووجنتاي تتبلّل بدموع فرح اللقاء، ألا أن الأقدار "شاءت غير مشيئتي"، فخطفت مشاغل الدنيا مني فرحة اللقاء بك من جديد، وها أنا الان أتحسّف نادماً على التأجيل لأسباب يحق لي أن أتحفّظ على وصفها دون التماس أو إذن مُسبق، الان، أفصح لك بأنه لم يبق لديّ من حيلة إلا أن أصلي وأبتهل للمولى عزّ وجلّ أن يُضمّد روحك الطاهرة فسيح جناته، وأن يُسكنك "داراً خيرٌ من دارك"، وأن يُلهم أبنائك وذويك الصبر والسلوان، أُعاهدك بدعاء لن ينقطع، ومعزّتك ستبقى نابضة ما حييت، وإنا لله وإنا إليه راجعون.  

الجمعة، 9 أبريل 2021

النفايات الالكترونية: مخاطر تبحث عن حلول

تدوين: يحيى السلماني

اليوم، لا يُمكننا أن نتخيّل خلوّ أيّ بيت أو مبنى مؤسسّة من جهاز إلكتروني، كما لا يمكننا أن ننجز الكثير من مُعاملاتنا (شخصية ورسميّة) خارج نطاق المُجتمع الرقمي، فبيوتنا ومؤسساتنا تكتنز بأجهزة الحاسوب الالي، وأنامل أيادينا تنشغل أيّما انشغال بأزرارها، وعيوننا تُحدّق لساعات طوال مُتسمّرة أمام شاشات هواتفنا المحمولة (الموبايلات)، وأذهاننا مهووسةٌ بأجهزة الترفيه الالكترونية بمختلف أنواعها وماركاتها، وإن كان أمرٌ كهذا لا يمكن تخيّله قبيل عقدين من الزمن فقط، فقد أصبح اليوم واقعاً نعيشه ونتعايش مع ضروراته وتطوراته ومُتغيراته المُتسارعة، شئنا ذلك أن أبينا.   

إذن، لا جدال في أن الطلب على استخدام الأجهزة الإلكترونية يتزايد بوتيرة سريعة جداً، وهذه الزيادة هي بدون شك انعكاس مُباشر لمتطلبات الحياة العصريّة في مختلف المجالات: الوظيفية والإجتماعية والتعليمية والتسويقية والصحية والترفيهية وغيرها، ألا أن هذا التهافت على هذه الأجهزة التي أصبحت جزء هام من حياتنا اليومية قد أغفلنا عن البحث في اثارها الجانبية على صحتنا، كما أن هذا التهافت شغلنا عن البحث في مدى أثرها على سلامة عناصر البيئة الطبيعية المحيطة بنا.

تُشير الدراسات البيئية إلى أن هوس استخدام الاجهزة الالكترونية لساعات طويله قد تصل إلى ما لا يقلُ عن ثماني ساعات في اليوم، واستخدام الإنسان المُفرط لهذه الأجهزة يُسهم في زيادة ساعات الأرق وقلّة النوم والشعور بالتوتر، وضعف القدرات الإدراكيّة والدماغيّة. وتُشير تقديرات شركة (فيرجن موبايل)، إلى أنّ أربعة ملايين بريطاني يُعانون من الإلتهابات وضغف حاسّة السمع، بسبب استماعهم المتواصل إلى الموسيقى بصوت مرتفع.

ووفقًاً لدراسة حديثة أجرتها جامعة كامبردج، خلصت نتائجها إلى أن عشرات الالاف من الوفيّات في أوروبا كانت بسبب داء السمنة، وقلة النشاط والحركة بسبب الإدمان على الأجهزة الإلكترونية. وتشير الدراسات إلى إنّ الاستخدام المطوّل للشاشات، يؤدي إلى الإصابة بـ«متلازمة رؤية الحاسوب»، مع أعراض تشمل إجهاد العين، والرؤية المزدوجة وقصر النظر المؤقت، هذا ناهيك عن ارتفاع مستويات العنف عند الأطفال وتناقص حدّة الانتباه.

على المستوى البيئي، أغلب النفايات الإلكترونية إن لم يكن جميعها تحتوي على مركبات في غاية السميّة، فالتقارير العلمية تشير إلأى أنها تحتوي على 60 عنصرًا كيميائيًا مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ والكادميوم والبريليوم، كما تحتوي عل كميات من المعادن مثل النحاس والقصدير والفضة والذهب والبلاديوم، وجميعها تتسبب بالضرر الشديد بخصائص الهواء والمياه والتربة والنبات.   

التقرير الصادر عن منظمة الأمم المتحدة يشير إلى أن كمّية النفايات الإلكترونية والكهربائية التي ينتجها البشر سنوياً تبلغ نحو 50 مليون طن، أي نحو تسعة أضعاف وزن الهرم الأكبر في الجيزة. وقد قفز إنتاج الشخص من النفايات الإلكترونية سنوياً من 5.8 كيلوغرام في 2014 إلى 6.1 كيلوغرامات في 2016. ووفقاً لمعدلات الزيادة السنوية الحالية، يتوقع تقرير الأمم المتحدة أن تصل كمية النفايات الإلكترونية إلى 120 مليون طن سنة 2050. وتُسجّل الدول الغنية والمتقدمة أعلى نسب توليد للنفايات الإلكترونية، حيث يتجاوز إنتاج الفرد فيها 20 كيلوغراماً سنوياً. وتذهب غالبية هذه النفايات إلى مواقع التخلص العشوائي، وتتسرب إلى الطبيعة، وإن ما يتم تدويره وإعادة إستخدامه من هذه الأجهزة لا يزيد على 20 في المائة من مجمل الكمية المُنتجة.

أما في البلدان العربية، فتبلغ كمّية النفايات الإلكترونية المولدة سنوياً ثلاثة ملايين طن، ويصل متوسط ما ينتجه المواطن العربي من النفايات الإلكترونية سنوياً إلى 6.8 كيلوغرام، حيث ترتفع النسب في الدول الخليجية، إلى جانب لبنان والجزائر، إلى أكثر من 11 كيلوغراماً في السنة، وهي تقفز في السعودية والكويت والبحرين وسلطنة عُمان إلى أكثر من 15 كيلوغراماً.

على أرض الواقع، تُطبّق أغلب الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واليابان برامج لجمع النفايات الإلكترونية وتدويرها، حيث تزيد نسبة الاسترداد في الدول الإسكندنافية على 70 في المائة من كمية النفايات الإلكترونية، وتصل النسبة إلى 22 في المائة في الولايات المتحدة. وتعد سويسرا مثالاً جيداً على كيفية التعامل مع مشكلة النفايات الإلكترونية؛ فرغم ضخامة كمية النفايات الإلكترونية التي تولدها، حيث وصل وزنها إلى 223 ألف طن في سنة 2016 بمعدل 22.2 كيلوغرام للشخص الواحد، فإنها استردت 134 ألف طن من هذه النفايات، أي أن نسبة الاسترداد قاربت 72 في المائة. أما في فئة النفايات الإلكترونية الرقمية تحديداً، كالهواتف الجوالة، فقد وصل معدل التدوير إلى 95 في المائة.

اخر المُحاولات الناجحة لسياسات إعادة التدوير للمخلفات الإلكترونية تأتينا من أستراليا، حيث تمكّن مجموعة من الاستراليين من تحويل المواد الكيميائية التي تحتويها البطاريات المستعملة إلى أسمدة خاصة للمحاصيل والنباتات.

أما عربياً، فلا توجد لحدّ الساعة، تشريعات صارمة خاصة بإدارة النفايات الإلكترونية، وإنما تندرج فقط في إطار القوانين الوطنيّة الخاصة بالنظافة العامّة وإدارة النفايات الصلبة، ألا أنه توجد مبادرات عربية محدودة لجمع وتدوير النفايات الإلكترونية تتبناها في الغالب مبادرات الجمعيات المختصة بقطاع البيئة،  من بين هذه المبادرات على سبيل المثال لا الحصر: إنشاء «مركز التدوير» في مدينة دبي عام 2019 ، الذي يتمكن المختصون فيه من إعادة تدوير ما يقرب من 100 ألف طن سنوياً من النفايات الكهربائية والإلكترونية، وهي بادرة عربية تستحق التقدير والاستفادة منها كتجربة رائدة في هذا المجال.  

ما نود الإشارة إليه هنا هو أن الوضع الذي تعيشه السلطنة لا يقل عن مثيلاتها من دول العالم، خصوصاً وأن السلطنة تتيجه بشكل تدريجي نحو ما يطلق عليه ب"الحكومة الإلكترونية"، وهو ما سيتطلب من المجتمع مستقبلاً، مؤسسات وأفراد، أن يعتمدوا بشكل أساسي على الإجهزة الإلكترونية في تخليص مُختلف مُعاملاتهم اليومية في مُختلف المجالات.

في ظل هذا التوجّه، أليس من المُجدي تدارس بعض من الحلول التي تتبنّاها بعض الدول في مختلف أنحاء العالم؟ لماذا لا يتم البدء في تدشين مشاريع استثمارية للاستفادة من بعض مكونات المواد الإلكترونية التي تتميّز بقيمة اقتصادية. فعلى سبيل المثال: يُمكن إعادة استخدام المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة التي تدخل في مكّونات أجهزة الهواتف المحمولة. أليس من المُجدي أن نلحق بركب الدول التي تعمل منذ سنوات على الاستفادة من إعادة تدوير المواد البلاستيكية والزجاج والسيراميك المُستخدم في صناعة الاجهزة الالكترونية؟

 هُنا في عُمان، نرى أنّنا بحاجة ماسّة إلى دعم البحوث العلميّة والبيئية المُتصلة بهذا الشأن، ولا بدّ من تقديم الحوافز والتشجيع على البدء في تدشين مشاريع مُتخصصة لجمع وإدارة النفايات الإلكترونية، ونرى بأنه قد ان الأوان لإعداد برامج توعوية مُكثّفة للتخلص الامن من مثل هذه النفايات السامّة، والإسراع في وتيرة التثقيف الجادّ باثارها السلبية على صحة الإنسان والبيئة. وهو ما سيفتح في ذات الوقت فُرصاً جديدة للابتكار والاستفادة من عناصر هذه المخلفات، ويُسهم مستقبلاً في تنشيط "اقتصاد النفايات" بالسلطنة.   

 


الاثنين، 8 مارس 2021

حاراتنا القديمة ... حالة احتضار!

 

تدوين: يحيى السلماني

تُعدّ الحارات العُمانية القديمة إرثاً حضارياً يحكي تفاصيل التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي والمعماري للسلطنة. ما يُميّز هذه الحارات طرازها المعماري المبنيّ بالطين والحجارة والجص، كما تلعبُ أبوابها ونوافذها الخشبية بألوانها الزاهية دوراً كبيراً في إضفاء لمسة جمالية استثنائية لهذه الحارات، فالأبواب والنوافذ العتيقة التي تُزيّن بيوت هذه الحارات وحصونها وقلاعها ومساجدها وأسواقها التقليدية أصبحت مقصداً حيوياً للسوّاح ومُحبيّ اكتشاف أسرار التراث المعماري  العُماني من مختلف دول العالم.

اليوم، هذه الحارات يُخيّم عليها الهدوء، أبوابها التي ما تزال تحتفظُ بزينتها متاكلة، و "مراجيمها" موصدة، وأزقتّها خاوية، وأعمدتها تتهاوى، وأقواسها وجدرانها وأسقفها تتساقط، ناهيك عن أن غالبيّتها تحولّت إلى مساكن و"مخابئ" للعمالة السائبة، وساحاتها "معقّات" للنفايات، حدث كُلّ ذلك بعد نزوح أهالي هذه الحارات إلى مواقع لأحياء سكنية حديثة، تاركين خلفهم عشرات الحكايات لتُروى، ومئات الذكريات لتُوثّق، وإرثاً حضارياً ومعماريّاً يستحقُ العناية بتفاصيله، والالتفات إليه.    

أول ما يلمحه زائر هذه الحارات أبوابها التي تمتاز بثقل وزنها وتنوّع ألوانها، وتباين زخارفها ونقوشها الخشبية الرائعة، فأبواب المداخل الرئيسية لهذه الحارات وحصونها وقلاعها ومساجدها مُصممّة بشكل يتوافق مع مُعطيات الوضع السياسي والاجتماعي السائد خلال الحقب التاريخية القديمة التي تمتدّ لمئات السنين. وهو انعكاس لما شهدته السلطنة في مُختلف مناطقها من الصراعات السياسية والمُتغيرات الاجتماعية. ولهذا، تعكس هذه الأبواب حالات التغيّر هذه، فأبواب مداخلها الرئيسية التي تتزيّن بها واجهات هذه الحارات تتميّز بوجود باب أصغر حجماً تُقاس بنصف قامة الإنسان تقريباً، توفّر هذه الأبواب الأصغر حجماً مدخلاً ومخرجاً للأفراد حسبما يأذن حارس الحارة أو البيت أو الحصن بذلك، كما يُعدّ هذا النوع من الأبواب أحد الأساليب التي كانت تُتّبع خلال تلك الحقبة بهدف تشديد الحراسة وتأمين الرقابة الرصينة للدفاع عن أهالي الحارات أو ساكنيّ الحصون والقلاع، وبهذا الأسلوب يتجنّب الناس أي هجوم مُفاجئ. كما يُراعي في تصميم الأبواب الوضع الاجتماعي، حيث يحرص مُصمّم الأبواب على وضع مطرقتين على كل باب، إحداهما صغيرة والأخرى كبيرة. عندما يتم الطّرق باستخدام الطرقة الصغيرة يفهم أهل البيت أنها امرأة، فتقوم سيدة البيت بفتح الباب لها، أما عندما تستخدم الطرقة الكبيرة يُفهم أن الآتي هو رجل ليقوم رجل ويفتح له باب البيت. وهذا الأمر سائد في بعض الحارات القديمة في بعض الدول الإسلامية من بينها تُركيا على سبيل المثال لا الحصر، وهو أمرٌ قد وقفت عليه شخصياً خلال زياراتي المتوالية لهذا البلد العريق بتعاقب حضاراته الإنسانية.      

حسب المصادر التاريخية، أن أخشاب هذه الأبواب والنوافذ كانت تستورد من الهند وشرق أفريقيا. وهو مؤشّر لإزدهار الشق الاقتصادي بين السلطنة وهذه الدول، ويُعتبر خشب الساج أشهر أنواع الأخشاب المُستخدمة في مُختلف الحارات القديمة، ويُصنّف هذا النوع من الأخشاب بأنه خشب قويّ يُمكنه مُقاومة الحرارة والرطوبة ومُختلف التغيرات المناخية لأوقات وفترات طويلة، كما أنه مُقاوم للنمل الأبيض الذي عادة ما يتسبّب في تهميش المواد الخشبية، وتفادياً لذلك، فقد استخدم العُمانيون زيوت الأسماك تُطلى بها الأخشاب المستوردة لضمان استخدامها لفترات طويلة.

وتحظى الأبواب مكانة هامة في الحضارة والثقافة العُمانية. فغالبيّة الأبواب الخشبية بهذه الحارات والحصون والبيوت تتميّز بزخارف ونقوش قلّما نجدها في أماكن أخرى، ويمكن لزائر هذه الحارات أن يلفت نظره أن لكل باب هويتهُ الخاصة به، فأبواب بيوت العائلات المُثقّفة تتزيّن بالايات القرانية وعبارات أدبية وشعرية، وتُنقش على واجهاتها عبارات الترحيب، كما تُوّثق بها تواريخ بناء بعض من هذه المنازل. ويمكن لزائر هذه الحارات مُلاحظة بعض النقوش الخشبية على العتبات العُلوية للأبواب العُمانية، ومن بين النقوش السائدة رسومات أشجار النخيل والزهور التي تم نحتها بمهارة عالية خصوصاً على أبواب المداخل الرئيسية، كما تُرصّع بعض الأبواب بمسامير برونزية وحديدية مُزخرفة بأشكال مُتداخلة.   

المصادر تشير إلى أنه توجد بالسلطنة أكثر من ألف (1000 ) حاره، وخمسمائة (500 ) قلعة وحصن. يعود تاريخ بعضها إلى حقبة ما قبل الإسلام. وقد تم إدراج بعض منها في قائمة التُراث العالمي (اليونسكو). وبرغم من أن معظم هذه الحارات تُعاني منذ زمن من الإهمال بعد أن هجرها سُكّانها، ألا أن هُناك بوادر شخصية بدأت تطفو على السطح، حيث بادر في السنوات الأخيرة عدد من العمانيين بترميم بعض من البيوت في الحارات القديمة واستثمارها سياحياً، وهو مؤشّر إيجابي نتمنى من جهات الإختصاص دعم وتبنّي مثل هكذا مبادرات تصبّ في بوتقة الحفاظ على تُراث الوطن، وتُثري بالتالي الواجهة السياحية، وتخدم الصالح العام، وحاراتنا القديمة ستظّل تواقّة لترحّب بكل من يأتيها قاصداً ليُطرق أبوابها الموصدة فيدخل الفرحة بين زقاقها العتيقة، وينشر البهجة بين جنبات غرفها ومجالسها ومختلف مرافقها.           

 

 

 

الجمعة، 12 فبراير 2021

محروم وطاح في عصيدة ...!

 

تدوين: يحيى السلماني

لمحته، ليس كعادته، مُنزوياً في إحدى زوايا المقهى الذي اعتاد على ارتياده منذ سنين، ماسكاً بفنجان القهوة بين يديه، وكأنه يتحسّسُ شئ ما قد ضاع منه، وجدته مُرهقاً كئيباً، دنوت منه وربتُ على كتفيه ثم صافحته، التمعت عيناه مرحاً، وارتسمت في محيّاه ابتسامة كسيرة، بادلني التحيّة باضطراب وخجل، شعرت بحجم السأم الذي يتسلّل إلى روحه، والملل الذي يجتاح أحاسيسه.  

جلستُ إلى جانبه وتحدّثت معه، استذكرنا أياماً عشناها سويّاً بحلوها ومرّها، بأفراحها وأتراحها، بنجاحاتها وفشلها، بهدوئها وصخبها، بنورها وظلامها، بخيرها وشرّها...! سألته: أخبرني، ماذا عنك؟ بدأ حديثه هادئاً، لكنّه حمل بين طيّاته صيحات مُترعةٌ بالألم، وممزوجة بالسُخط، ومشحونة بالحنق والإمتعاض، صارحني خلال حديثه: "لطالما اعترتني نوباتٌ من الشقاء فقدتُ خلالها الرغبةُ في الحياة"، وأثناء حديثه حاول قدر الإمكان أن ينتقي كلماته ويُضفي عليها -كما عهدته في "رمسات" سابقة - لمسات مرح وابتهاج لا تخلو من دُعابة ساخرة، ثُم ألمح لي بنبرة صوت خافتة: نحن ضحايا من وصفهم المثل الشائع: "محروم وطاح في عصيده". بدوري تراجعتُ والتزمت الصمت و"لم أنبس ببنت شفه"، ثم قلتُ في نفسي: هو إذن كغيره، إحدى ضحايا خطأ لم يرتكبه.

بعد حديث لم يطل لأكثر من ساعة ونصف، أوجعني حال أحد رفقاء دروبي المهنيّة، إضطررتُ مُغادرة رفيق دربي وأنا أهمس مع نفسي أناشيد حفظناها سويّاً عن ظهر قلب، أناشيد تتغنى بجمال وحُب الوطن والطبيعة، غادرتهُ وهو ما يزالُ يفرك بيديه فنجان القهوة وكأنه يودّ التخلّص من الروائح الكريهة التي عكّرت صفو أجواء حياته مثلما يفرك "الشيف" يديه بعد الطبخ ببقايا القهوة ليتخلّص من روائح الثوم والبصل.  

عدت أدراجي مُثقل الفُؤاد، كسيرُ القلب، أخفيتُ ألمي كما لو لم يحدث شيئاً أو أسمع شيئاً، استلقيت مُرهقاً، مذهولاً، مهموماً، مذعوراً، مُتسائلاً: من الذي سيلقي بالاً على رفيق الدرب الذي باتت الحياة تعتصرهُ في أواسط عمره بأصابعها الصغيرة، وتنهشهُ بمخالبها الحادّة، متى سيأتي اليوم الذي ترتقي فيه "إنسانيّة" حكيمة تتمكّن من ردع تصرفات "الوحوش الكاسرة"، وتُنهي بإعجوبة مشروع "شريعة الغاب" السائدة...؟ أتساؤل مع نفسي وأنا ما أزال مُستلقياً: ما الذي أوصل الأمور إلى هذا الحدّ؟ ومن الذي يقف وراء كُل هذا الجور والضيم؟.

فقتُ من غفوتي، ثم مرّرت رسالة نصيّة قصيرة إلى رفيقُ دربي مُواسياً:

تيّقن أنّ الأيّام العسيرة ما هي إلا ساعاتٌ زائلةٌ، ستتلاشى مع مرور الزمن، وستستعيدُ بعد انقضائها صفو الحياة، وجميعُنا لا نملكُ في هكذا حالات إلا أن نرفع أيادينا مُبتهلين: "اللهم لا نسألك ردّ القضاء، ولكن نسألك اللُطف فيه"، اللهم امين...!.   

 

  

الجمعة، 8 يناير 2021

يومٌ لم نعشه بعد...!


تدوين: يحيى السلماني

لم يبق يومٌ من أيام السنة إلا وقد وُسم بعنوان أو رُبما بعناوين برّاقة وشعارات رنّانة، والمُناسبات التي تُلامس حياة الإنسان وموارد بيئاتنا الطبيعية تحظى بنصيبها "المدرار" من هذه العناوين وتلك الشعارات، فهناك يوم للبيئة (وطني وإقليمي ودولي)، ويوم و(ساعه) لكوكب الأرض، ويوم للكويكبات، ويوم لطبقة الاوزون، ويوم لنقاوة الهواء من أجل سماء زرقاء، ويوم للأرصاد الجوّية، ويوم للجبال، ويوم للتُربة، ويوم للتصحّر و(الأراضي الجافة)، واخر للمياه و(الأراضي الرطبة)، ويوم للتّنوع الأحيائي، ويوم للحياة الفطريّة، ويوم للموائل، ويوم للغابات، ويوم للشجرة، ويوم لسلامة الأغذية، ويوم للبُقول، ويوم للشاي، ويوم للأحياء البريّة، ويوم للطيور المُهاجرة، ويوم للنحل، وهناك يوم للمُحيطات، ويوم عالمي لمُكافحة الصيد غير القانوني، ويوم لسمك التونة، ويوم لضحايا الرقيق، ويوم عالمي للاتجار بالبشر، ويوم دولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات، ومن يتخيّل بأن هناك يوم دولي خاص لدورات المياه (المرحاض) وأكثر من نصف سكان العالم "يفتقرون" إلى مرافق صحيّة امنة، والقائمة طويلة، ليس لها حدّ ولا عدّ، ولا يمكن حصرها في سطور مُدوّنة، والمُحصّلة: "نسمع جعجعة ولا نرى طحينا".  

ولهذا، يحقّ لنا هُنا، كما يحقّ لغيرنا، أن نتسائل: إلى أيّ مدى يُسهم هذا الكمّ الهائل من المُناسبات "المُتزاحمة" في حلحلة أزماتنا؟ وما حجم الدور الذي تلعبهُ شعاراتها "المُستنسخة" العام بعد العام في التوعية بلزوم تحسين أوضاع موارد موائلنا الطبيعية؟ تلك المُناسبات مُجتمعة، بأيّامها ولياليها، تسعى مُؤسسّاتنا الوطنية ومُنظّماتنا الإقليمية والدولية منها إلى الدفع بمعدّلات الوعي الصحي والبيئي والنهوض بمستويات الوضعين الإنساني والاجتماعي، والاحتفاء بهذه المُناسبات يُعدّ بمثابة وقفات تثقيفية "ظنّت" هذه المُؤسسّات وما تزال "تظنّ" أنها قد تلعب أدواراً "أسطوريّة" في تعبئة مختلف شرائح المجتمع، كما "تكهّنت" تلك المُنظّمات وما تزال "تتكهّن" أن لديها من الإمكانيات ما يُمكنُها من إقناع الدوائر القيادية لمُعالجة الإشكاليات الوطنيّة وتطبيب الأزمات الدولية، وإلقاء حزم من الضوء على ما تُقدّمه للإنسانية والبيئة من إنجازات في هذا المضمار، ألا أن الظنون تبدو قد "خابت" والتكهّنات قد "أخفقت"، وبالتالي، غدى الاحتفاء بهذه المُناسبات مُجرّد مساحات مفتوحة "للبهرجة" الإعلامية، كما باتت مخارج مُستحدثة ومشروعه ل"إضاعة" الوقت و"إرهاق" الجُهد و"إهدار" للمال العام، وهي جميعها أمورٌ تُثير الاستغراب والتعجّب والاستنكار...!      

الحديث عن تفاصيل الأوضاع الإنسانية والصحية والبيئية قد يطول، فالبشر، وفقاً لمؤشّرات دولية، يعيشون في بيئات صحيّة واقتصادية ومعيشية وحقوقيّة وسيكولوجية سيئة للغاية، كما أضحت استمرارية بقاء عناصر موارد الطبيعة ونقائها من ماء وهواء وأشجار وحيوانات وطيور وأسماك وسلاحف ورخويّات ومُرجان وغيرها "رهينة" لعبث الإنسان واستنزافه "السافر" لموارد بيئته، واستهتاره "العلني" بعدما تَجَاسَرَ "الدوس" على القيّم الإنسانية، واِجتَرَأَ على ضرب التشريعات البيئية ب"عرض الحائط"، ولقد حاولنا جاهدين، على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، استقصاء ما أمكننا استقصاءه لأوجاع هذه الأوضاع، وحرصنا على تدوين تفاصيلها بكل شفافية في مقالات تحليلية سابقة، هذه المقالات حاولت قدر الإمكان مُلامسة الجوانب الأكثر عُمقاً في الجوهرين الإنساني والبيئي، وقد تضمّن طرحنا "وصفات" منطقيّة لتجاوز طائفة من الإشكالات على مختلف المستويات، ألا أن جلّ نصائحنا ووصفاتنا كانت بكل أسى وأسف ك"صرخة في وادي، ونفخة في رماد".  

يُدرك السواد الأعظم منّا أنّ مُؤسساتنا الوطنيّة ومُنظّماتنا الإقليمية والدولية وممّن يشغلون "مناصبها" من رؤساء وحدات و"أشباه" رؤساء وحدات، وخُبراء و"أشباه" خُبراء، ومُختصّين و"أشباه" مُختصّين هُم على علم ودراية تامّة بما يُعرض على "البلاتوهات" المفتوحة وما يُحاك في "كواليس" الصالات المُغلقة، لكنّ الواقع يشي بأنّ هُناك من يتقن تقمّص دور "الساذجة البلهاء"، فكم من مُبادرات قد أُعلن عنها في مُناسبات سابقة وقد "حال عليها الحول، وتعاقبت عليها السنون"، ولم ترى النور لأسباب تبدو هي الأخرى واضحة وجلّية، ولا تحتاج إلى مزيد من التحليل والتفنيد  والتشخيص، أهم تلك الأسباب، من وجهة نظرنا، إفتقار تلك المُبادرات (أو رُبما الإجتهادات) إلى الدقّة في إعدادها، وضعف الإرادة المُخلصة في متابعتها، وفتور العزيمة الصادقة أثناء تنفيذها.

إذن ما هو دليل محبّتنا لبيئات أوطاننا عندما "توهن" الإرادة و"تتثاقل" العزيمة؟ وأيّ بُرهان يُدلّل على صدق ما تتفوّه به أفمام أولئك ممّن تُوكل إليهم مهامّ تحسين هذا القطاع الحيوي؟ يبدو لنا بأنّ ممّن "يتصنّعون" التعاطُف مع الإنسان، و"يتشدّقون" بحبّ الطبيعة، يُراوحون منذ زمن أماكنهم بين صدر البيت الشعري وعجزه: "وكلٌ يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقرّ لهم بذاكا"، ويُروي لنا المثل الذائع: "فاقد الشيء لا يُعطيه" تفسيراً واضحاً وصريحاً لبيت الشعر المذكور.

 بالرغم من تمدّد سنوات العوز والشتات، وتمطّط مُستويات "شظف" حياة البشرية، وتنامي وتيرة "نكدها"، وتعاظم تدهور وضع الموارد الطبيعية، وتضاؤل عناصرها، وغزارة "ضرائها" في برّها وبحرها، ألا أنّنا، ونحن نبتغي اليوم التعايش مع أجواء الاحتفاء بيوم البيئة العُماني الذي كان لنا فيه نصيبٌ من شرف الإعداد والمُشاركة في تدشين أولى نسخاته "الكلاسيكية" في الثامن من يناير من عام 1997م، سنلزم أنفسنا "التزيّن" بفسحة من الأمل، مُتطلّعين إلى أن تُؤطّر نصوص البيانات الصحفية "المرشوقة" وترتقي مضامين الشعارات "المُنمّقة" هذه المرّة إلى مُستوى "الواقع المُعاش" الذي يُلامس قضايانا المُعاصرة لنتباهى فخورين بمُخرجاته أمام القاصي والداني، وبهذا التطّلع، سنظلّ مُستبشرين بمستقبل إنساني وبيئي أفضل، أكثر إشراقاً وأندى ازدهاراً من ذي قبل، مُتيمّنين بمقوله أديب المهجر، جبران خليل جبران، الذي غرس في ذواتنا التفائل حين سطّر ذات يوم قائلاً: "إنّ أجمل الأيام يومٌ لم نعشه بعد، وأجمل البحار بحرٌ لم ترتده أشرعتنا بعد"، اللهمّ إنّا نعوذُ بك أن نقول زورًا، أو نغشى فجورًا، وكُل عام وموائلنا البشريّة والطبيعية بألف خير...!.   

خور الملح موطن الذهب الأبيض

  تدوين: يحيى السلماني مع بداية فصل الصيف التي تمتد من مايو حتى شهر أكتوبر تنشط وتيرة انتاج الملح بالطريقة التقليدية في ولاية قريات. وبنهاية...