الاثنين، 8 مارس 2021

حاراتنا القديمة ... حالة احتضار!

 

تدوين: يحيى السلماني

تُعدّ الحارات العُمانية القديمة إرثاً حضارياً يحكي تفاصيل التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي والمعماري للسلطنة. ما يُميّز هذه الحارات طرازها المعماري المبنيّ بالطين والحجارة والجص، كما تلعبُ أبوابها ونوافذها الخشبية بألوانها الزاهية دوراً كبيراً في إضفاء لمسة جمالية استثنائية لهذه الحارات، فالأبواب والنوافذ العتيقة التي تُزيّن بيوت هذه الحارات وحصونها وقلاعها ومساجدها وأسواقها التقليدية أصبحت مقصداً حيوياً للسوّاح ومُحبيّ اكتشاف أسرار التراث المعماري  العُماني من مختلف دول العالم.

اليوم، هذه الحارات يُخيّم عليها الهدوء، أبوابها التي ما تزال تحتفظُ بزينتها متاكلة، و "مراجيمها" موصدة، وأزقتّها خاوية، وأعمدتها تتهاوى، وأقواسها وجدرانها وأسقفها تتساقط، ناهيك عن أن غالبيّتها تحولّت إلى مساكن و"مخابئ" للعمالة السائبة، وساحاتها "معقّات" للنفايات، حدث كُلّ ذلك بعد نزوح أهالي هذه الحارات إلى مواقع لأحياء سكنية حديثة، تاركين خلفهم عشرات الحكايات لتُروى، ومئات الذكريات لتُوثّق، وإرثاً حضارياً ومعماريّاً يستحقُ العناية بتفاصيله، والالتفات إليه.    

أول ما يلمحه زائر هذه الحارات أبوابها التي تمتاز بثقل وزنها وتنوّع ألوانها، وتباين زخارفها ونقوشها الخشبية الرائعة، فأبواب المداخل الرئيسية لهذه الحارات وحصونها وقلاعها ومساجدها مُصممّة بشكل يتوافق مع مُعطيات الوضع السياسي والاجتماعي السائد خلال الحقب التاريخية القديمة التي تمتدّ لمئات السنين. وهو انعكاس لما شهدته السلطنة في مُختلف مناطقها من الصراعات السياسية والمُتغيرات الاجتماعية. ولهذا، تعكس هذه الأبواب حالات التغيّر هذه، فأبواب مداخلها الرئيسية التي تتزيّن بها واجهات هذه الحارات تتميّز بوجود باب أصغر حجماً تُقاس بنصف قامة الإنسان تقريباً، توفّر هذه الأبواب الأصغر حجماً مدخلاً ومخرجاً للأفراد حسبما يأذن حارس الحارة أو البيت أو الحصن بذلك، كما يُعدّ هذا النوع من الأبواب أحد الأساليب التي كانت تُتّبع خلال تلك الحقبة بهدف تشديد الحراسة وتأمين الرقابة الرصينة للدفاع عن أهالي الحارات أو ساكنيّ الحصون والقلاع، وبهذا الأسلوب يتجنّب الناس أي هجوم مُفاجئ. كما يُراعي في تصميم الأبواب الوضع الاجتماعي، حيث يحرص مُصمّم الأبواب على وضع مطرقتين على كل باب، إحداهما صغيرة والأخرى كبيرة. عندما يتم الطّرق باستخدام الطرقة الصغيرة يفهم أهل البيت أنها امرأة، فتقوم سيدة البيت بفتح الباب لها، أما عندما تستخدم الطرقة الكبيرة يُفهم أن الآتي هو رجل ليقوم رجل ويفتح له باب البيت. وهذا الأمر سائد في بعض الحارات القديمة في بعض الدول الإسلامية من بينها تُركيا على سبيل المثال لا الحصر، وهو أمرٌ قد وقفت عليه شخصياً خلال زياراتي المتوالية لهذا البلد العريق بتعاقب حضاراته الإنسانية.      

حسب المصادر التاريخية، أن أخشاب هذه الأبواب والنوافذ كانت تستورد من الهند وشرق أفريقيا. وهو مؤشّر لإزدهار الشق الاقتصادي بين السلطنة وهذه الدول، ويُعتبر خشب الساج أشهر أنواع الأخشاب المُستخدمة في مُختلف الحارات القديمة، ويُصنّف هذا النوع من الأخشاب بأنه خشب قويّ يُمكنه مُقاومة الحرارة والرطوبة ومُختلف التغيرات المناخية لأوقات وفترات طويلة، كما أنه مُقاوم للنمل الأبيض الذي عادة ما يتسبّب في تهميش المواد الخشبية، وتفادياً لذلك، فقد استخدم العُمانيون زيوت الأسماك تُطلى بها الأخشاب المستوردة لضمان استخدامها لفترات طويلة.

وتحظى الأبواب مكانة هامة في الحضارة والثقافة العُمانية. فغالبيّة الأبواب الخشبية بهذه الحارات والحصون والبيوت تتميّز بزخارف ونقوش قلّما نجدها في أماكن أخرى، ويمكن لزائر هذه الحارات أن يلفت نظره أن لكل باب هويتهُ الخاصة به، فأبواب بيوت العائلات المُثقّفة تتزيّن بالايات القرانية وعبارات أدبية وشعرية، وتُنقش على واجهاتها عبارات الترحيب، كما تُوّثق بها تواريخ بناء بعض من هذه المنازل. ويمكن لزائر هذه الحارات مُلاحظة بعض النقوش الخشبية على العتبات العُلوية للأبواب العُمانية، ومن بين النقوش السائدة رسومات أشجار النخيل والزهور التي تم نحتها بمهارة عالية خصوصاً على أبواب المداخل الرئيسية، كما تُرصّع بعض الأبواب بمسامير برونزية وحديدية مُزخرفة بأشكال مُتداخلة.   

المصادر تشير إلى أنه توجد بالسلطنة أكثر من ألف (1000 ) حاره، وخمسمائة (500 ) قلعة وحصن. يعود تاريخ بعضها إلى حقبة ما قبل الإسلام. وقد تم إدراج بعض منها في قائمة التُراث العالمي (اليونسكو). وبرغم من أن معظم هذه الحارات تُعاني منذ زمن من الإهمال بعد أن هجرها سُكّانها، ألا أن هُناك بوادر شخصية بدأت تطفو على السطح، حيث بادر في السنوات الأخيرة عدد من العمانيين بترميم بعض من البيوت في الحارات القديمة واستثمارها سياحياً، وهو مؤشّر إيجابي نتمنى من جهات الإختصاص دعم وتبنّي مثل هكذا مبادرات تصبّ في بوتقة الحفاظ على تُراث الوطن، وتُثري بالتالي الواجهة السياحية، وتخدم الصالح العام، وحاراتنا القديمة ستظّل تواقّة لترحّب بكل من يأتيها قاصداً ليُطرق أبوابها الموصدة فيدخل الفرحة بين زقاقها العتيقة، وينشر البهجة بين جنبات غرفها ومجالسها ومختلف مرافقها.           

 

 

 

الجمعة، 12 فبراير 2021

محروم وطاح في عصيدة ...!

 

تدوين: يحيى السلماني

لمحته، ليس كعادته، مُنزوياً في إحدى زوايا المقهى الذي اعتاد على ارتياده منذ سنين، ماسكاً بفنجان القهوة بين يديه، وكأنه يتحسّسُ شئ ما قد ضاع منه، وجدته مُرهقاً كئيباً، دنوت منه وربتُ على كتفيه ثم صافحته، التمعت عيناه مرحاً، وارتسمت في محيّاه ابتسامة كسيرة، بادلني التحيّة باضطراب وخجل، شعرت بحجم السأم الذي يتسلّل إلى روحه، والملل الذي يجتاح أحاسيسه.  

جلستُ إلى جانبه وتحدّثت معه، استذكرنا أياماً عشناها سويّاً بحلوها ومرّها، بأفراحها وأتراحها، بنجاحاتها وفشلها، بهدوئها وصخبها، بنورها وظلامها، بخيرها وشرّها...! سألته: أخبرني، ماذا عنك؟ بدأ حديثه هادئاً، لكنّه حمل بين طيّاته صيحات مُترعةٌ بالألم، وممزوجة بالسُخط، ومشحونة بالحنق والإمتعاض، صارحني خلال حديثه: "لطالما اعترتني نوباتٌ من الشقاء فقدتُ خلالها الرغبةُ في الحياة"، وأثناء حديثه حاول قدر الإمكان أن ينتقي كلماته ويُضفي عليها -كما عهدته في "رمسات" سابقة - لمسات مرح وابتهاج لا تخلو من دُعابة ساخرة، ثُم ألمح لي بنبرة صوت خافتة: نحن ضحايا من وصفهم المثل الشائع: "محروم وطاح في عصيده". بدوري تراجعتُ والتزمت الصمت و"لم أنبس ببنت شفه"، ثم قلتُ في نفسي: هو إذن كغيره، إحدى ضحايا خطأ لم يرتكبه.

بعد حديث لم يطل لأكثر من ساعة ونصف، أوجعني حال أحد رفقاء دروبي المهنيّة، إضطررتُ مُغادرة رفيق دربي وأنا أهمس مع نفسي أناشيد حفظناها سويّاً عن ظهر قلب، أناشيد تتغنى بجمال وحُب الوطن والطبيعة، غادرتهُ وهو ما يزالُ يفرك بيديه فنجان القهوة وكأنه يودّ التخلّص من الروائح الكريهة التي عكّرت صفو أجواء حياته مثلما يفرك "الشيف" يديه بعد الطبخ ببقايا القهوة ليتخلّص من روائح الثوم والبصل.  

عدت أدراجي مُثقل الفُؤاد، كسيرُ القلب، أخفيتُ ألمي كما لو لم يحدث شيئاً أو أسمع شيئاً، استلقيت مُرهقاً، مذهولاً، مهموماً، مذعوراً، مُتسائلاً: من الذي سيلقي بالاً على رفيق الدرب الذي باتت الحياة تعتصرهُ في أواسط عمره بأصابعها الصغيرة، وتنهشهُ بمخالبها الحادّة، متى سيأتي اليوم الذي ترتقي فيه "إنسانيّة" حكيمة تتمكّن من ردع تصرفات "الوحوش الكاسرة"، وتُنهي بإعجوبة مشروع "شريعة الغاب" السائدة...؟ أتساؤل مع نفسي وأنا ما أزال مُستلقياً: ما الذي أوصل الأمور إلى هذا الحدّ؟ ومن الذي يقف وراء كُل هذا الجور والضيم؟.

فقتُ من غفوتي، ثم مرّرت رسالة نصيّة قصيرة إلى رفيقُ دربي مُواسياً:

تيّقن أنّ الأيّام العسيرة ما هي إلا ساعاتٌ زائلةٌ، ستتلاشى مع مرور الزمن، وستستعيدُ بعد انقضائها صفو الحياة، وجميعُنا لا نملكُ في هكذا حالات إلا أن نرفع أيادينا مُبتهلين: "اللهم لا نسألك ردّ القضاء، ولكن نسألك اللُطف فيه"، اللهم امين...!.   

 

  

الجمعة، 8 يناير 2021

يومٌ لم نعشه بعد...!


تدوين: يحيى السلماني

لم يبق يومٌ من أيام السنة إلا وقد وُسم بعنوان أو رُبما بعناوين برّاقة وشعارات رنّانة، والمُناسبات التي تُلامس حياة الإنسان وموارد بيئاتنا الطبيعية تحظى بنصيبها "المدرار" من هذه العناوين وتلك الشعارات، فهناك يوم للبيئة (وطني وإقليمي ودولي)، ويوم و(ساعه) لكوكب الأرض، ويوم للكويكبات، ويوم لطبقة الاوزون، ويوم لنقاوة الهواء من أجل سماء زرقاء، ويوم للأرصاد الجوّية، ويوم للجبال، ويوم للتُربة، ويوم للتصحّر و(الأراضي الجافة)، واخر للمياه و(الأراضي الرطبة)، ويوم للتّنوع الأحيائي، ويوم للحياة الفطريّة، ويوم للموائل، ويوم للغابات، ويوم للشجرة، ويوم لسلامة الأغذية، ويوم للبُقول، ويوم للشاي، ويوم للأحياء البريّة، ويوم للطيور المُهاجرة، ويوم للنحل، وهناك يوم للمُحيطات، ويوم عالمي لمُكافحة الصيد غير القانوني، ويوم لسمك التونة، ويوم لضحايا الرقيق، ويوم عالمي للاتجار بالبشر، ويوم دولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات، ومن يتخيّل بأن هناك يوم دولي خاص لدورات المياه (المرحاض) وأكثر من نصف سكان العالم "يفتقرون" إلى مرافق صحيّة امنة، والقائمة طويلة، ليس لها حدّ ولا عدّ، ولا يمكن حصرها في سطور مُدوّنة، والمُحصّلة: "نسمع جعجعة ولا نرى طحينا".  

ولهذا، يحقّ لنا هُنا، كما يحقّ لغيرنا، أن نتسائل: إلى أيّ مدى يُسهم هذا الكمّ الهائل من المُناسبات "المُتزاحمة" في حلحلة أزماتنا؟ وما حجم الدور الذي تلعبهُ شعاراتها "المُستنسخة" العام بعد العام في التوعية بلزوم تحسين أوضاع موارد موائلنا الطبيعية؟ تلك المُناسبات مُجتمعة، بأيّامها ولياليها، تسعى مُؤسسّاتنا الوطنية ومُنظّماتنا الإقليمية والدولية منها إلى الدفع بمعدّلات الوعي الصحي والبيئي والنهوض بمستويات الوضعين الإنساني والاجتماعي، والاحتفاء بهذه المُناسبات يُعدّ بمثابة وقفات تثقيفية "ظنّت" هذه المُؤسسّات وما تزال "تظنّ" أنها قد تلعب أدواراً "أسطوريّة" في تعبئة مختلف شرائح المجتمع، كما "تكهّنت" تلك المُنظّمات وما تزال "تتكهّن" أن لديها من الإمكانيات ما يُمكنُها من إقناع الدوائر القيادية لمُعالجة الإشكاليات الوطنيّة وتطبيب الأزمات الدولية، وإلقاء حزم من الضوء على ما تُقدّمه للإنسانية والبيئة من إنجازات في هذا المضمار، ألا أن الظنون تبدو قد "خابت" والتكهّنات قد "أخفقت"، وبالتالي، غدى الاحتفاء بهذه المُناسبات مُجرّد مساحات مفتوحة "للبهرجة" الإعلامية، كما باتت مخارج مُستحدثة ومشروعه ل"إضاعة" الوقت و"إرهاق" الجُهد و"إهدار" للمال العام، وهي جميعها أمورٌ تُثير الاستغراب والتعجّب والاستنكار...!      

الحديث عن تفاصيل الأوضاع الإنسانية والصحية والبيئية قد يطول، فالبشر، وفقاً لمؤشّرات دولية، يعيشون في بيئات صحيّة واقتصادية ومعيشية وحقوقيّة وسيكولوجية سيئة للغاية، كما أضحت استمرارية بقاء عناصر موارد الطبيعة ونقائها من ماء وهواء وأشجار وحيوانات وطيور وأسماك وسلاحف ورخويّات ومُرجان وغيرها "رهينة" لعبث الإنسان واستنزافه "السافر" لموارد بيئته، واستهتاره "العلني" بعدما تَجَاسَرَ "الدوس" على القيّم الإنسانية، واِجتَرَأَ على ضرب التشريعات البيئية ب"عرض الحائط"، ولقد حاولنا جاهدين، على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، استقصاء ما أمكننا استقصاءه لأوجاع هذه الأوضاع، وحرصنا على تدوين تفاصيلها بكل شفافية في مقالات تحليلية سابقة، هذه المقالات حاولت قدر الإمكان مُلامسة الجوانب الأكثر عُمقاً في الجوهرين الإنساني والبيئي، وقد تضمّن طرحنا "وصفات" منطقيّة لتجاوز طائفة من الإشكالات على مختلف المستويات، ألا أن جلّ نصائحنا ووصفاتنا كانت بكل أسى وأسف ك"صرخة في وادي، ونفخة في رماد".  

يُدرك السواد الأعظم منّا أنّ مُؤسساتنا الوطنيّة ومُنظّماتنا الإقليمية والدولية وممّن يشغلون "مناصبها" من رؤساء وحدات و"أشباه" رؤساء وحدات، وخُبراء و"أشباه" خُبراء، ومُختصّين و"أشباه" مُختصّين هُم على علم ودراية تامّة بما يُعرض على "البلاتوهات" المفتوحة وما يُحاك في "كواليس" الصالات المُغلقة، لكنّ الواقع يشي بأنّ هُناك من يتقن تقمّص دور "الساذجة البلهاء"، فكم من مُبادرات قد أُعلن عنها في مُناسبات سابقة وقد "حال عليها الحول، وتعاقبت عليها السنون"، ولم ترى النور لأسباب تبدو هي الأخرى واضحة وجلّية، ولا تحتاج إلى مزيد من التحليل والتفنيد  والتشخيص، أهم تلك الأسباب، من وجهة نظرنا، إفتقار تلك المُبادرات (أو رُبما الإجتهادات) إلى الدقّة في إعدادها، وضعف الإرادة المُخلصة في متابعتها، وفتور العزيمة الصادقة أثناء تنفيذها.

إذن ما هو دليل محبّتنا لبيئات أوطاننا عندما "توهن" الإرادة و"تتثاقل" العزيمة؟ وأيّ بُرهان يُدلّل على صدق ما تتفوّه به أفمام أولئك ممّن تُوكل إليهم مهامّ تحسين هذا القطاع الحيوي؟ يبدو لنا بأنّ ممّن "يتصنّعون" التعاطُف مع الإنسان، و"يتشدّقون" بحبّ الطبيعة، يُراوحون منذ زمن أماكنهم بين صدر البيت الشعري وعجزه: "وكلٌ يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقرّ لهم بذاكا"، ويُروي لنا المثل الذائع: "فاقد الشيء لا يُعطيه" تفسيراً واضحاً وصريحاً لبيت الشعر المذكور.

 بالرغم من تمدّد سنوات العوز والشتات، وتمطّط مُستويات "شظف" حياة البشرية، وتنامي وتيرة "نكدها"، وتعاظم تدهور وضع الموارد الطبيعية، وتضاؤل عناصرها، وغزارة "ضرائها" في برّها وبحرها، ألا أنّنا، ونحن نبتغي اليوم التعايش مع أجواء الاحتفاء بيوم البيئة العُماني الذي كان لنا فيه نصيبٌ من شرف الإعداد والمُشاركة في تدشين أولى نسخاته "الكلاسيكية" في الثامن من يناير من عام 1997م، سنلزم أنفسنا "التزيّن" بفسحة من الأمل، مُتطلّعين إلى أن تُؤطّر نصوص البيانات الصحفية "المرشوقة" وترتقي مضامين الشعارات "المُنمّقة" هذه المرّة إلى مُستوى "الواقع المُعاش" الذي يُلامس قضايانا المُعاصرة لنتباهى فخورين بمُخرجاته أمام القاصي والداني، وبهذا التطّلع، سنظلّ مُستبشرين بمستقبل إنساني وبيئي أفضل، أكثر إشراقاً وأندى ازدهاراً من ذي قبل، مُتيمّنين بمقوله أديب المهجر، جبران خليل جبران، الذي غرس في ذواتنا التفائل حين سطّر ذات يوم قائلاً: "إنّ أجمل الأيام يومٌ لم نعشه بعد، وأجمل البحار بحرٌ لم ترتده أشرعتنا بعد"، اللهمّ إنّا نعوذُ بك أن نقول زورًا، أو نغشى فجورًا، وكُل عام وموائلنا البشريّة والطبيعية بألف خير...!.   

الخميس، 24 ديسمبر 2020

إليكم من محميّة القرم الطبيعية

 

تدوين: يحيى السلماني

لا ندري من أين جيئ بفكرة تدشين مشروع سياحة "التجديف" في محمية القرم الطبيعية؟ ومن الذي أيّدها؟ كما لا نعلم من هو "الرابح" الأول من فكرة الإستثمار السياحي لهذا النشاط في هذا الموقع بالذّات؟

ما نعلمه هو أن هذه المحميّة تُصنّف من أوائل المحميات التي تم الإعلان عنها بالسلطنة، ومنذ إنشائها في عام 1975م وهي تواجه الإنتهاك بعد الاخر، ولم تتوقّف هذه الانتهاكات عند حدود  التمدّد الحضري "العشوائي"، فالوحدات السكنية والتجاريّة، والشوارع وأرصفة الخراسانات الإسمنتية والإضاءة المُزعجة تُحيط بحدود المحمية من مختلف زواياها، بل أتي دور "العماله السائبة" التي "تسرح وتمرح" لتستبيح دونما "حسيب أو رقيب" الموارد البحرية "النفيسة" للمحميّة بدون تراخيص رسميّة، ثُم يكتمل مشهد الانتهاكات لهذه المحميّة عندما تتوالى علينا مشاهد دخول وخروج "مُمارسيّ رياضة المشي" في إحرامات المحمية  منذ ساعات شروق الصباح الأولى حتى أوقات الأصيل، ولهذا يأتي منح تصريح رسمي لممارسة نشاط التجديف في مياه المحميّة الضحلة ل"يزيد الطين بلّه"، ويضرب بكل الالتزامات والمبادئ البيئية عرض الحائط، والأدهى من كل ذلك والأمّر أن تتباهى صحافتنا المحلية ومنابر التواصل الاجتماعي بمثل هذه المشاريع التي لم تُدرس بتأن،  فضلاً عن انتقادها، وتسليط الضوء علي اثارها البيئية، ومُحاولة إيصال الرسالة الصائبة لذوي الاختصاص.

لا نتردّد هُنا عن التذكير بأن محميّة القرم الطبيعية  تقع على مساحة إجمالية تبلغ 1045,775 م2 (مليون وخمسة واربعين  ألف وسبعمائة وخمسة وسبعين م2)، وتتجلّى أولى الأهداف من إنشائها حماية غابات أشجار القرم التي تتلعب الدور الأساسي لتوفير الموائل الطبيعية المُناسبة لما يقرب من 27 نوعاً من القشريات، و48 نوعاً من الرخويات، و40 نوعاً من الأسماك، هذا بالإضافة إلى أنواع الروبيان، وسرطانان البحر، والمحاريّات، وهي، أي المحميّة، تأوي لما يزيد عن 194 نوعاً من الطيور المستوطنة والمُهاجرة، خصوصاً تلك القادمة من "أفريقيا وأوروبا"، وحسب البيانات الصادرة عن هيئة البيئة، ينمو في هذه المحميّة "نوع واحد فقط من أشجار القرم (المانجروف)  يطلق عليه "أفيسينا مارينا" (Avicennia marina)، وهو النوع الوحيد الموجود في السلطنة الذي يمكنه التأقلم مع الوضع المُناخي المحلي"، وما يميّز هذه المحميّة، حسب الدراسات الجيولوجية، بأنها تحتوي على منطقة أثرية تّدلّل على قدم ممارسة نشاط الصيد في هذه المنطقة قبل أكثر من 4,000 سنة، ولذالك، لم يكُن مُستغرباً بأن يتم إختيارها وإعلانها في عام 2012م "كأول موقع عُماني ذات أهمية دولية في مواقع رامسار".   

نرى كما يوافقنا الرأي اخرون، أن هذا المشروع السياحي لا يتوافق البتة مع مبادئ التشريعات الخاصّة التي يتضمنها "دليل المحميّات الطبيعية"، وهذا "التواطئ والتهاون" لا يُليق بنا إذا ما أدركنا بأن السلطنة قد صادقت على اتفاقية التنوع الأحيائي (البيولوجي) منذ عام 1994م، ولذلك، فمثل هكذا مشاريع أو أنشطة سيؤدي حتماً إلى فقدان المحميّة لعناصرها الأحيائية الفريدة بالتدريج، وهي ستؤثّر مُستقبلاً في نظرة المنظمات البيئية الإقليمية والدولية علينا. وإذا كان هذا هو وضع محميّة القرم التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن مقرّ "هيئة البيئة"، فما هو حال مواقع المحميّات الطبيعية التي تقع على بعد عشرات بل مئات الكيلومترات منها؟.     

إذن لا بدّ من النظر بجدّية في هذا الموضوع بما يتوافق مع أهداف خطط إدارة المحميّة من خلال الالتزام بتنظيم الأنشطة التنموية والترفيهية والسياحية في المناطق المحميّة ليس في منطقة القرم فحسب بل في مختلف محميات السلطنة التي تتناثر في كل شبر من برّ وبحر بلادنا الغالية علينا جميعاً بما يتلائم مع التشريعات البيئية (وطنية ودولية)، كما أصبح الأمر ضرورياً لتشديد دوريّات الرقابة على مداخل ومخارج المحميّة التي تبدو مفتوحة دون حراسة (خصوصاً الجهة المُقابلة للبحر)، وبدلاً من العبث بالموارد الطبيعية والجيولوجية لهذا الموقع الفريد، نتطلّع أن تُستثمر معطيات هذا الموقع خلال المرحلة المُقبلة في مجالات البحث العلمي (البيئي) لتُسهم المحميّة في تعزيز مستويات المعرفة البيئية لا حبّذا فيما يتصل بموارد البيئات البحرية بالسلطنة، هذا ما وجب الإشارة إليه، وللمختصين والمسؤولين عن القطاع واسع النظر.  

الخميس، 17 ديسمبر 2020

وصيّة "كنغه" ووفاء "ثورباس"

 

تدوين: يحيى السلماني

من تسنح له الفرصة لقراءة قصة "النورس والقط الذي علمه الطيران" للأديب التشيلي لويس سبلبيدا يدرك أنها ليست مجرد قصة مثيرة مليئة بالأحداث الساخنة التي تجذب قارئها من سطور صفحاتها الأولى، فهذه الحكاية التي توقظ الطفولة السحرية النائمة، تأتي إيفاءً للوعد الذي قطعه الأديب التشيلي على نفسه حينما وعد أبناءه ذات يوم بأن يكتب لهم قصة تشرح "المعاملة السيئة التي نتعامل بها نحن البشر مع محيطنا ، عندما نُخرّب الطبيعة وبالتالي نُخرّب أنفسنا"

ولم تكن هذه القصة المتميزة بدلالاتها العميقة محاولة من الأديب التشيلي "لأبتكار" دعابة جديدة يخدع بها أبناءه الصغار ليغطّوا في نوم عميق، بل تحمل بين طياتها رسالة إنسانية نبيلة مفادها أولا: أن الحفاظ على بيئتنا البحرية وعناصرها الطبيعية مسؤولية جميع فئات المجتمع، صغارا وكبارا، نساء ورجالا، أما ثاني أهدافها فيتمحور في أن هذه القصة التي تحكى وقائعها بألسنة الحيوانات، وبالتحديد بين حيوانين متناقضين " قط وطائر"، توضّح بشكل جلي إمكانية تحقيق أحد "المعادلات الصعبة" التي لم تتحقق بعد على يد الإنسان الموهوب بنعمتي العقل والحكمه.

تتلخّص أحداث القصة في سقوط أحد طيور النورس "كنغه" في مياه البحر، بعد مشوار طويل من الطيران، بهدف الاستلقاء والتقاط الأنفاس، ألا أنها فوجئت بأن محطة الأسترخاء هذه كانت ممزوجة ببقعة زيت كبيرة فرّغتها أحد بواخر النفط الضخمة التي تقذف بالبحر آلاف الليترات من مادتها الوبائية اللزجة، فالتصق النفط "اللعين" بريش ذيلها، وهو ما قلل من قدرتها على الطيران. توصف الحكاية النورس في هذه الوضعية كالتالي: "راحت تخفق بأجنحتها بيأس، فثقل طبقة النفط لم يكن يسمح لها بالطيران"، وبعد مسافة ليست بطويله ثقلت حركة جناحيها وبطئت سرعة طيرانها، وبهذا لم يطاوعها جناحاها في متابعة الطيران، فسقطت بالقرب من "ثورباس" وهو قط كبير لونه أسود وسمين.

وأثناء احتظارها، وهي تلتقي ب"ثورباس" نعبت النورس متشاكية: " لقد أدركتني موجة سوداء، الوباء الأسود، لعنة البحار، سأموت!!!!" ويحاول في هذه الأثناء "ثورباس" جاهدا أن يهدأ من روعها، ويتعاطف معها محاولا مساعدتها بشتى الطرق والوسائل، بقوله: "إرتاحي قليلا، وسترين كيف ستسترجعين قواك" ، بعد أن تيقنت النورس بأن القط الأسود رغم ضخامته يحمل نوايا حسنه ، سألته عن إمكانية الإيفاء بثلاثة وعود ، فأوصته قائلة: " عدني بأنك لا تأكل البيضة، عدني بأنك ستعتني بها إلى أن يولد الفرخ، وعدني بأنك ستعلمه الطيران"، وفي اللحظة التي تلفظ فيها النورس أنفاسها الأخيرة "تدحرجت بيضة بجانب جسدها المتشرّب بالنفط".

ورغم شدّة حُزنه، حرص القط "ثورباس" على تنفيذ وعد النورس الأم، فاحتضن البيضة بحرص شديد خوفاً عليها من الكسر، واعتنى بها رغم جهلة بالتعامل مع مثل هذا الوضع، حتى لا تلتهمها بقية الحيوانات، وهكذا "راح يغفو تحت أشعة الشمس الدافئة والبيضة المنقطة بالأزرق ملتصقة ببطنه الأسود".

وابتداءً من لحظات احتضان البيضة، ومروراً بتربية الفرخ الجديد وانتهاءً بمعاناة القط السمين "ثورباس" بتعليم النورس "محظوظة" مهمة الطيران، خلال جميع هذه المراحل عاش "ثورباس" أوضاعاً صعبه، تمثّل أولاها في عدم إلمامه بحياة الطيور، أما ثانيها: فشغل القط السمين باله بالتفكير العميق في كيفية الحفاظ على حياة النورس الصغيرة "محظوظه" بعيدة عن أي اعتداءات قد تسبّبه بقية الحيوانات، ففي الأولى، استعان القط السمين بأصدقائه الذين عاونوه في تجميع البيانات الخاصة بحياة الطيور بعد قراءة موسوعة علمية تشرح بالتفصيل حياة الحيوانات، أما طريقته في التغلب على الصعوبة الثانية، فكان "ثورباس" محنكا في كيفية التعامل مع بقية الحيوانات الطامعة في التهام البيضة، فحضانة البيضة لم تكن سهلة، حيث كان في كل صباح  يخبئ البيضة في "أصص النبات"، ونجح "ثورباس" أيضا بتفوق في تتبع التعليمات الفنية، وتعليم النورس الصغير "محظوظة" الطيران بعد عدة محاولات فاشلة، وفي نهاية المطاف تحقق الحلم واستطاعت "محظوظة" الطيران في ليل "هامبورغ" وهي تردد:" أنا أطير ياثورباس، أستطيع الطيران"، عندها بقي "ثورباس" يتأملها ويترقب حركة طيرانها "حتى لم يعرف ما إذا كانت قطرات المطر أم الدموع هي التي تبلل عينيه الصفراوين". إذن وفق "ثورباس" القط النبيل من إداء مهمته، بل تفوق على نفسه بالإيفاء بوعوده الثلاثة التي بدت له مستحيلة في الوهلة الأولى.

بعد هذا العرض المُقتضب لهذه الحكاية المليئة بالتفاصيل، يتبيّن لنا بأن الطيور تأتي في مقدمة الأحياء التي تتأثر مباشرة ببقع النفط، كما تبعث في نفوسنا – باعتبار أننا نعيش بأحد الدول الرئيسة المُصدّرة لهذه الطاقة، ضرورة أخذ الحيطة والحذر من مغبّة تفاقم هذه الظاهرة التي بدأت تدق ناقوس الخطر في سنواتها الأخيرة. تُؤكّد دراسات التحليلات النفطية على أن "نحو خُمس إنتاج العالم من النفط يمرّ عبر مضيق هرمز، فالمُضيق يستوعب من 20 إلى 30 ناقلة نفط يومياً، أي بما يُعادل ناقلة نفط واحدة في كل 6 دقائق مُحمّلة بنحو 40% من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم"، ولهذا، يُنبّه تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية إلى أن منطقة الخليج التي تستضيف أكثر من خمسمائة نوع من الطيور، هي من "أكثر مناطق العالم تعرضاً للتلوث" نظراً لتنامي المنشات البحرية وتوسّع موانئ تحميل الناقلات وارتفاع مستوى كثافة حركة النقل البحري للمواد النفطية، فتنتج عن حركة النقل البحري بالخليج "تسرّب حوالي مليوني برميل بترول سنوياً من التصريف الروتيني لماء الصابورة والمواد الملوثة من الناقلات ومن حوالي 800 منصة زيت وغاز، ولا تقتصر مشاكل بيئتنا البحرية على ما تفرغّه شاحنات النفط من سوائل، بل تشهد ممراتنا البحرية تهديدات مباشرة بتعطيل شاحنات النفط عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وتلوّح وسائل الإعلام بإعادة سياسات "حروب الناقلات" التي نشبت في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، إذا ما واصلت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها سياسات "خنق" الاقتصاد الإيراني. 

ولو على حساب التكرار، ولكن للأهميّة، فإننا نشير في هذا الشأن إلى أن أكبر كارثة نفط بالتاريخ حدثت عندما غزا العراق الكويت عام 1990م، حيث حُرقت "أكثر من 613 من ابار النفط وانفجرت 67 بئراً أخرى، وقدّرت كمية النفط المحترق بما يعادل 8 مليون برميل ومائة مليون متر مكعب من الغاز"، كما أن التلوث النفطي الناتج عن حرب الخليج "قضى على 52 نوعاً من الطيور"، ناهيك عن تشويه المواقع الترفيهية الواقعة على المسارات  الساحلية للمنطقة.

إن الحديث في هذا الشأن قد يطول إذا ما أفسحنا الفرصة لتفاصيل تتعلق بمسار مضيق باب المندب عبر البحر الأحمر الذي يشهد هو الاخر حركة ملاحية نشطة، حيث يسمح بتمرير ما يقرب من 11% من نفط العالم المحمول بحراً، وقد أظهرت الدراسات البيئية أن "مُعدّلات الزيت في الكيلومتر المربع المسجلة في بيئة البحر الاحمر هي أعلى منها في أي بحر إقليمي اخر"، وتواجه منذ السنتين الأخيرتين تورّط المنشات وسفن ناقلات النفط بتفجيرات ملغومة لها من التأثيرات المباشرة على عناصر بيئتنا البحرية ما لم يُفصح عنه بعد، وها هي الأخبار تتوارد اليوم بشأن غوّاصات للكيان الإسرائيلي تواصل عبورها قناة السويس باتجاه الخليج بتصريح "مصريّ"، إضافة إلى غوّاصة هجومية أمريكية ومدمّرتين تابعتين للبحرية الأمريكية تتجهان في المسار ذاته، بحجّة "ضمان أمن الممرات البحرية بالمنطقة"، لكن من الذي سيتكفّل ضمان حماية موارد بيئاتنا البحرية إن حدث مالم يُحمد عُقباه؟. 

في رأينا، لم تقتصر هذه الحكاية على إشراك أطفالنا الهم البيئي، الذي تعيشه مختلف دول العالم، بل توقظ عند الفئة الناشئة والشابة والمنظمات الرسمية حب الانتماء إلى عالم الطبيعة بعيداً عن التلوث الحضاري والانحطاط البشري، فطريقة سردها للأحداث سلس وشيق، وهي تمنح قراءها فرصة إطلاق العنان ليتخيّلوا حجم الكارثة البيئية "الوباء الأسود" وأثرها على عناصر بيئتنا البحرية الجميلة، كما تؤكّد القصة على ضرورة التضامن والحرص على اتباع مبدأ التعاون ومنهج "العمل الجماعي" الذي دائماً ما يُقرن بالتوفيق مهما كانت ظروف المُهمّه صعبه وقاسية، ويبقى على قُرّاء هذه القصة الرائعة تقصّي رسالتها البيئية العميقة، والتمعّن في مضمونها الإنساني والأخلاقي الذي تحمله بين ثنايا سطورها.  

 

                            

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

العرب ينفضون أياديهم...!

 

تدوين: يحيى السلماني

تتوالى المشاهد التي تبثّها القنوات الفضائية عن العرب وهم "يُهرولون" إلى قاعات ومنصّات "الصفقات" العلنية، بعد أن انتقلت من مرحلة هلوسة المفاوضات "السريّة" خلال العقود المُنصرمة، ولا يمكن لنا إيجاد وصف يُليق بما نشاهدة إلا أن نصف أنظمتنا العربية "بالمُتراخية"، فمن كانوا يُمثّلون أمامنا رُموزاً للقوميّة العربية، هاهم اليوم "ينفضون" أياديهم من "قضيّة العرب" الأولى، ولم يعد ما يهمّ رؤوس أنظمتنا العربية إلا تأمين جلوسها على كراسي العرش، واستدامة أنظمتها الإستبدادية لأطول مدى ممكن.   

باختصار وبدون مقدمات، فقد "تملّص" قادة العرب من مسؤوليتهم القومية، والتزاماتهم الأخلاقية، بعدما أغرتهم أنظمة الدول المُتحالفة مع الكيان الصهيوني الغاصب بتقديم تسهيلات للحصول على صفقات تسلّح جديدة، ودعم سياسي واقتصادي مرحلي، وهي وعوداً كان المراد منها إبتزاز العرب وإرغامهم على السكوت والتزام الصمت والقبول ب "تهويد" القدس، وخرق كل الاتفاقات التي جاهد الفلسطينيون من أجلها منذ ما يزيد على 70 عاماً، يتجاوز العرب كل ذلك وهم يتغافلون بأن الله "يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار".

الغريب في كل ما يحدث أن وسائل إعلامنا تُهلّل وتُطّبل وكأننا نستبق العالم الاحتفاء بأعياد "الكريسماس" قبل موعدها بأيام،  ويبقى العرب "من ذوي النخوة" الذين لا حول لهم ولا قوة يتباكون نثراً وشعراً، يُندّدون ويشجبون ثم يتداولون ما تغتصّ به خواطرهم عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت الوحيدة، في ظلّ تزايد وتيرة غلواء السطوة الأمنية، من يوفّر لهم فُسحة من هوامش الحريّة للتعبير عن ما يجول في خواطرهم من كمد وحرقة وما تكتنز به أفئدتهم من غيض وحنق، بعدما أغرقتهم أنظمتهم  "المُستكينة" في  بحور من الخيال، وزجّت بهم في متاهات من الأوهام لعقود من الزمن، الأمر إذن أصبح جليّاً ولا يحتاج إلى "عرّافه" لتوضحه وبهذا، سيبقى الخطاب العربي في محافلنا العربية والدولية بمختلف نبراته ولكناته خطاباً "إنشائياً" لا يُقدّم ولا يؤخّر ولا يؤثّر،ولا نملك هنا إلا أن نصغي مجدداً لوصيّة الأديب والشاعر العربي نزار قبّاني التي نصحنا فيها ب:

إيّاك أن تقرأ حرفاً من كتابات العرب

فحربهم إشاعه، وسيفهم خشب

وعشقهم خيانه، ووعدهم كذب

قطع القول، نجزم بأن العرب يعيشون اليوم في "سديم" فكري وسياسي واجتماعي مُتناقض لا ثوابت له ولا قيم، ما نُشاهده اليوم "أماط اللثام" فأظهر حقائق تم تعتيمها لعقود، ها نحن على أعتاب سنة ميلادية جديدة، لا يفصلنا عنها سوى أيام، تُستعجل فيها عجلة التطبيع، وتُقاد رؤوس أنظمتنا العربية من "أذنيها" مرغومة، وفي ظل هذه الأجواء "الفضائحيّة" يتعاضم غضب الشارع العام، من هنا، لا نستبعد أن تعيش بُلداننا العربية عاماً جديداً يتسمّ بأسوأ مراتب التوتّر السياسي والفوضى الاقتصادية الذي سيقود بالتالي إلى مزيداً من البؤس الاجتماعي، والتدهورين الإنساني والبيئي، ولا نظن أن لدى القادة العرب ما يملكونه من أدوات للتخفيف من حدّة التوتر إلا الاستعانة ، كما عهدناهم دائماً، بخطاباتهم السياسة التي "لا تُسمن ولا تُغني من جوع".

في يوم ما، تغنّى الشاعر العراقي معروف الرصافي المعروف بمواقفه الثورية قائلاً:

لا يخدَعنْك هِتاف القوم بالوطن، فالقوم في السرّ غير القوم في العَلَن

أحْبُولة الدِّين ركَّت من تقادمها، فاعتاض عنها الورى أحبولة الوطن

فما لهم غير صيد المال من غرضٍ، في اليوم والغد والماضي من الزمن

لم يقصدوا الخير بل يستذرعون به، رميًا إلى الشر أو قصدًا إلى الفتن

فإن تهادن قوم فانتظر شغبًا، إذ ليس هدنتهم إلى على دخن

مرّت السنون، والعرب يعتصمون وينتفضون، يشجبون وينددون، يحرقون ويتحارقون، ثم يأتمرون ويتامرون، وهاهم اليوم يُجرّون ويستجيرون، وينفضون أياديهم ممّا كانوا به يتمسكون، وكل عام وأوطاننا بألف خير...! 

   

الأربعاء، 25 نوفمبر 2020

ثورات وثروات: وما خفي كان أعظم ...!

   

تدوين: يحيى السلماني

تتصدّر الصراعات السياسية قائمة نشرات الأخبار في مُختلف القنوات الفضائية، وتفرد لها مساحات واسعة في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية (المطبوعة والإلكترونية)، تُناقش فيها بإسهاب الدوافع الأساسية لهذه الصراعات المُزمنة التي طالما ما تنتهي بحروب دمويّة طاحنة تقضي على البشر والشجر والحجر، ألا أن غالبية هذه النشرات والتقارير الإخبارية، حسب مُتابعتنا اليومية، تُركّز على تغطية مواقع القواعد العسكرية (المُتحالفة)، وتتعطشّ لإبراز صفقات التسلّح، وتستميت في الترويج والتقريض للحراكات الدُبلوماسية التي أغلبها ما تكون كاذبة ومُلفّقة ومموّهة. في المُقابل، لا تُعطي التغطية الإعلامية ذات الاهتمام للاثار المأساوية التي تُخلّفها الحروب وتُلقي بظلالها على صحة الإنسان ومُحيط بيئته، وبهذا نجدُ أن مشاهد تتعّلق بهموم الإنسان وتدهور عناصر البيئة الطبيعية باتت "تتذيّل" قائمة أجندة نشرات الأخبار في القنوات الفضائية، وغالبا ما يُفضّل مُحررّي الصحف نشرها "مُنزوية" في زوايا إحدى الصفحات الداخلية لصحافتنا العربية.

منذ عقود وبلداننا العربية ترزح تحت وطأة الحروب المُدمّرة، وتتجشّم العناء للتخلص من أزمات الصراعات السياسية، وإن كانت أسباب اندلاع هذه الصراعات والحروب تختلف من بلد إلى اخر، ألا أنها تجتمع في أن غالبيتها تلتقي في نقاط التنافس على النفوذ السياسي، وتتقاطع معظمها مع مصالح التحكّم على مداخل المواقع الاستراتيجية والاقتصادية لهذه البلدان، وبهذا التوجّه "البرجماتي" الصرف أضحى عالمنا العربي مُتشرذم، يتامر على بعضه البعض، تُبالغ حكومات بعض من هذه الدول وميليشياتها في تخصيص أوراقها النقدية من فئة "المليارات" لتطريح وإرباك تطلعّات الشعوب ثم إفساد امالها بمستقبل حياة أفضل، والمُضحك المُبكي أن تتحصّن نُخبنا "الاستبدادية" وتستجير نهاراً جهاراً، بالعدوّ من غدر الجار العربي، حتى بات يصدق فيها قول الإمام الشافعي "ويأكل بعضنا بعضاً عيانا".

ويُعزّز هذه الصراعات الدامية التي يقف ورائها من يقف من "سماسرة" الحروب، الدعم اللوجستي غير المسبوق الذي تتكفّل برعايته الدول الغربية، وتجتهد كما عهدناها دائماً، وتعمل بجدّية على إطالة أمد هذه النزاعات والحروب لتتسيّد الموقف توافقاً مع سياسة "فرّق تسد"، وهي سياسة قد يرى البعض أنها مُستحدثة، ألا أنها سياسة قديمة قدم التاريخ السياسي للشعوب، فقد اتبعها "السومريون والمصريون واليونانيون القدماء لتفكيك قوى أعدائهم، وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها داخليا واحدة ضد الأخرى"، وتسير القوى الحديثة اليوم على ذات النهج فتروّج بسياستها الوقحة هذه "صفقات" التسلّح، وتُازر "صفعات" التفرّق والشتات، وبإطالة أمد الحروب الطاحنة، ومطّ فتراتها الزمنية قدر الإمكان، تتراجع دُولنا العربية مئات بل الاف الخطوات في شتى مجالات الحياة العلمية والصحية والبيئية، ويتهالك وضعها الاقتصادي، ويوهن ثقلها السياسي لتبقى دولٌ ضعيفة هزيلة مُتمزّقة تابعة مُنقادة تنصاع لأوامر وتوجيهات "ثلّة" من رؤوس تلك الدول المُنافقة المراوغة والمحتالة التي تظهر أمام الجميع بأنها تلعب دور الداعم و"الوسيط" السياسي، وتطلّ أمام وسائل الإعلام في مؤتمرات صحفيّة "مُبتدعة" وكأن مفاتيح الحلول لهذه الصراعات الدامية لا يُمكن تحقيقها واكتسابها إلا بتقديم تنازلات مادّية ولوجستية تتقصدّها لإذلال وإخناع حكومات دولنا العربية "المُنبطحة" واحتقار وازدراء شعوبها "اليائسة" التي تعيش البؤس بعد البؤس.

وإذا ما تنبّهناّ إلى أن الحروب أضحت أكثر جهامة وقساوة على الإنسان فهي في ذات الوقت أشدّ فظاظة وصلابة على البيئة وعناصرها الأحيائية، وإذا ما تيّقننا بأن جميع المواثيق الدولية "تُحرّم" الاستعانة بجميع أنواع الأسلحة الضارّة بالبيئة، واعتبار الإضرار المُتعمّد بعناصرها الطبيعية أحد الجرائم ضد الإنسانية، إذاً ما الذي يدفع وسائل إعلامنا العربي إلى التراجع عن طرح الماسي الانسانية والمشاكل البيئية الناجمة عن الحروب المُشتعلة بالمنطقة بشفافية، ووضعها في أولويات القائمة الإخبارية؟ حتى لدرجة أن برامج "الكُوميديا السوداء" التي عولنّا عليها الكثير أصابتنا بالخيبة والإحباط لتغافلها الشأنين الإنساني والبيئي وتشاغلها بالتساخر على رموز الأنظمة ممن "تحكّموا فاستطالوا في تحكّمهم"، والتندّر على زبانيتهم.    

وبشكل أكثر دقّة، يشير تقرير صادر عن برنامج الامم المتحدة للبيئة في نوفمبر 2018م إلى أنه على مدار أكثر من ستة عقود، وقعت نزاعات مُسلحة في "أكثر من ثلثي مناطق التنوع البيولوجي في العالم"، وبهذا وفي العام 2001م، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم السادس من نوفمبر "اليوم الدُولي لمنع استغلال البيئة في الحروب والنزاعات المسلحة"، وفي السابع والعشرين من شهر مايو من عام 2016م اعتمدت الجمعية قرارًا يعترف "بدور النظم البيئية الصحية والموارد المدارة بشكل مستدام في الحد من مخاطر النزاعات المسلحة، وأكدت من جديد التزامها بالتنفيذ الكامل لأهداف التنمية المستدامة". لكن، ما جدوى هذا القرار إن لم يتم مُتابعة تطبيقه على أرض الواقع؟

 لا يخفى على أحد من أن صفقات تجارة السلاح تُعدّ من أغلى الصفقات رواجاً في العالم بسبب الحروب والنزاعات المحلية والدولية وفي مقدمتها نزاعات الشرق الشرق الأوسط، ويُقدّر الخبراء في معهد "سيبري" الدولي لأبحاث السلام في إستوكهولم "أن صرف جزء صغير من أموالها يكفي لحل مشاكل الفقر والبطالة في العالم بأكمله". وتشير البيانات الواردة في بيان هذا المعهد  بأن صادرات الأسلحة "الأمريكية والروسية والفرنسية والألمانية والصينية تُقدّر بعشرات المليارات سنوياً، وتستحوذ على ثلاثة أرباع صادرات العالم"، وما يهمنا هنا هو أن "كمية السلاح الذي استوردته بلدان الشرق الأوسط إزداد بأكثر من الضعف ما بين عامي 2013-2017، إذ استحوذت مجتمعة على ثلاثة أرباع صادرات العالم"،حسب البيانات الصادرة عن معهد "سيبري".

وبنظرة سريعة على أثر الحروب على الإنسان والبيئة، نجد أن الأراضي الفيتنامية وغاباتها أبادتها القوات الأمريكية خلال الحرب الفيتنامية بهدف حرمان مُقاتلي (الفيتكونغ) من الغطاء النباتي الذي مكّنهم من شنّ هجمات ضدها، وفي النزاعات الدموية المسلحة في الكونغو خلال منتصف التسعينات "أبيدت الاف من الأحياء البرية التي كانت مصدراً للحصول على لحوم حيوانات الأدغال للمقاتلين والمدنيين الذين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة"، كما دمرّت النزاعات "95% من الغابات في أفغانستان"، لكن المؤسف أننا لم نستفد من تلك الدروس.   

في الجانب الاخر، لم يكن الإنسان في منأى عن الاثار المؤلمة التي تخلفها هذه النزاعات، واليوم تزدحم مخيمات اللاجئين بماسي عشرات الاف من الأسر يتهاوى أمامها أمل الحياة، حيث يضطّر عشرات الالاف من البشر إلى الفرار مُشكّلين هجرات جماعية غير منتظمة للاحتماء بدول الجوار من ويلات الصراعات والحروب، وهو ما يؤكّد مصداقية تنبؤات (ماركوس) قائد الثورة في جنوب المسكيك، الذي صرّح قبيل نحو عقدين: "إن الحرب العالمية الثالثة ستكون حرباً ضد اللاجئين"، وحسب المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، "فإن مايقرب من سبعة الاف نازحاً قضوا غرقاً في البحر الأبيض المتوسط خلال عامي 2016م و 2017م، ومع حلول نهاية عام 2018م شُرّد أكثر من 70 مليون إنسان من أوطانهم في جميع أنحاء العالم بسبب الصراع والاضطهاد. ويوجد بين أولئك المشردين ما يقرب من 30 مليون لاجئ، وهو التدفق الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية". وفي ظل تفاقم «أزمة» اللاجئين، شُيّد حتى الآن 14 جداراً بين أوروبا ومحيطها، وصار الجدار الأمريكي مع المسكيك من أولويات الحكومة الأمريكية. وبهذا فقد وصل عدد اللاجئين حول العالم أعلى مستوى له تاريخياً حسب المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وفي مناسبة "اليوم العالمي للاجئين" الذي يصادف 20 يونيو من كل عام أشار أنطونيو عوتيريش، الأمين العام للامم المتحدة إلى أن "في هذا العام، تُشكّل جائحة كوفيد-19 تهديداً إضافياً للاجئين والمُشرّدين، لقد اضطر ما يقرب من 80 مليون امرأة وطفل ورجل في العالم إلى ترك ديارهم ليصبحوا لاجئين أو مشردين داخلياً".

تاريخياً، يُعتبر منح حق اللجوء للأشخاص الفارين من الاضطهاد في بلدان أجنبية من أقدم السمات المميّزة للحضارة. فقد تمّ العثور على نصوص تدلّ على اللجوء مكتوبة منذ 3,500 سنة، وذلك أثناء حقبة ازدهار أولى الإمبراطوريات الكبرى في الشرق الأوسط مثل البابليين والآشوريين والمصريين القدماء. وبعد أكثر من ثلاثة آلاف سنة، باتت حماية اللاجئين تُشكّل الأولوية للمفوضيّة السامية للأمم المتحدة للاجئين، وتوضح اتفاقية عام 1951م أن اللاجئ هو كل من وُجد "بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية، خارج البلاد التي يحمل جنسيتها، ولا يستطيع أو لا يرغب في حماية ذلك البلد بسبب هذا الخوف"، لكن ما هو حال لاجئي الحروب بالبلدان العربية، جماعات محرومة يُقاسون من مرارة العيش وضبابية المستقبل؟

حالة الوضع العربي الراهن ليست بحاجة إلى أجهزة مخبرية لتفحصّها، فالحروب الناشبة في اليمن والمُستعرة في سوريا، والمتأججّة في ليبيا، والمضطرمة في شبه الجزيرة العربية والعراق، والصراعات الطائفية في لبنان، والحراكات الشعبيّة المُحتدمة في الأردن ومصر والسودان وتونس والجزائر والمغرب، وتردّي الاحوال السياسية والاقتصادية في كل هذه البلدان ظاهرة للعيان، وهناك غزارة من الدراسات التحليلية والتقارير الإعلامية التي ثابرت لاستقراء وضع الدول العربية الحالي والمستقبلي، ونحن هُنا لا نود الاسترسال في الحديث عن السبب والمُتسببّ في مُختلف الصراعات العربية، بقدر ما نود إلقاء حزمة من الضوء على نماذج أثر الصراعات السياسية (ثورات وحروب) على صحة الإنسان وسلامة البيئة المُحيطة به.  

في تقرير "دراماتيكي" بثّته قناة (العربي) الإخبارية ببرنامجها اليومي (شبابيك)، أوجز حجم المُعاناة الإنسانية التي بات اللبنانيون يُقاسون منها جرّاء النزاعات الطائفية التي تمتدّ لعقود، كان بالنسبة لنا أمرٌ مُلفتٌ للنظر أن نُشاهد إمرأة لبنانية حاصلة على مستوى أكاديمي عالي تضطرّ بالقبول أن تعمل بوظيفة "عاملة نظافة" في شوارع بيروت بأجر يومي يوزاي خمسة دولارات في اليوم. إنها تراكمات لأنواع الفساد السياسي والإداري والمالي المُستشري في مفاصل الدولة اللبنانية التي خلّفت محن ليس لدى المواطن اللبناني خيار اخر إلا أن يتحمّل تبعاتها. هذه المحن التي تتوالى على لبنان منذ عقود يبدو أنها مُتواصلة ولن تتوقف، كان اخرها ما حدث في الرابع من شهر أغسطس الماضي، عندما دوى إنفجار ضخم هزّ العاصمة بيروت ناتج عن وجود "مواد نيترات الأمونيوم (TNT )  مُخزنّة في العنبر رقم 12 بالمرفأ البحري. وحتى قبل هذا الانفجار الكارثي الذي تسبّب في "وفاة ما يقرب من مائتين شخص وجرح نحو ستة الاف"، كان لُبنان يُعاني من أزمة إقتصادية حادّة "ارتفع فيها مستوى الفقر إلى 40%"، ومع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية، لم يكن بمقدور أبناء لبنان على توفير مُستلزمات الحياة اليومية من غذاء ومأوى صحي، وتعليم، أدّى كل ذلك إلى ارتفاع مُعدّل الهجرة، فقد وصل عدد المُهاجرين إلى "72 ألف لبناني كل عام"، وهو ما لم يعرفه لبنان في تاريخه حسب المراقبين الديموغرافيين. وبعيداً عن الماسي الانسانية والبيئية التي يعيشها لبنان لأسباب تواصل أمد الحروب والنزاعات الطائفية فهي تعاني منذ سنوات قضية إغراق مدينة بيروت بالاف الأطنان من النفايات، فخلال السنوات الخمس الأخيرة تكدّست النفايات في شوارع المدينة الجميلة وملأت المخلفات وشوّهت طرقاتها وأزقتها، وهو دليل فشل الحكومة اللبنانية الذريع في إدارة أزمة النفايات، بسبب اعتمادها على حلول آنية وغياب خطة مُستدامة.  

وتوضّح التقارير أن أزمات لبنان لا تقتصر على النزاعات الداخلية بل تُشير إلى أن الكيان الصهيوني (إسرائيل) خلال حربه على لبنان في عام 2006م  بعدما قصفت طائراته الحربية محطة كهرباء بجنوب لبنان أدى إلى "تسرّب أكثر من 15 ألف طن من زيت الوقود وانتشارها بطول 150 كم قبالة السواحل اللبنانية والسورية"، وفي حربه على قطاع غزة في عام 2009م ألقى الكيان الصهيوني "ما يعادل ثلاثة ملايين كغم من المُتفجرات تحتوي على مادة الفسفور الأبيض على مساحة صغيرة لا تزيد على 400 كم مربع".

ليس بعيداً عن لبنان الجريح، فقد كُتب للعراق الألم ولشعبه الشقاء، فمنذ استقلاله وخلاصه من براثن الانتداب البريطاني في عام 1932م لم تتوقف مُؤامرات الاغتيالات وتوالت عليه الحروب والنزاعات، كان من أهم محطاتها الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينات، ثم دخول العراق في أزمة فُجائية مع جارته الكويت، ثم معاناة العراق من أزمة "النفط مُقابل الغذاء" في عقد التسعينات، لتتواصل المأساة باحتلال القوات الأمريكية العراق في بداية الألفية الثانية، وتُستنزف جميع ثرواته (بشرية وبيئية). وتشير المصادر إلى أن أكبر كارثة نفط بالتاريخ حدثت عندما غزا العراق الكويت عام 1990م، حيث حُرقت "أكثر من 613 من ابار النفط وانفجرت 67 بئراً أخرى، وقدّرت كمية النفط المحترق بما يعادل 8 مليون برميل ومائة مليون متر مكعب من الغاز". وبهذا فقد تسرب النفط إلى الأرض والبحر وتلوّث الهواء بالدخان، وتأثّرت مختلف أنواع الحياة الفطرية حيث نُفقت الأسماك والسلاحف والدلافين وتدهورت بيئات الشعاب المرجانية والأهوار وغادرت الطيور أعشاشها وتلفت النباتات والأشجار. وتُلفت التقارير البيئية النظر إلى أن "أكثر من 70 في المئة من الأراضي الزراعية تعرضّت للتلوث والتدمير، وتراجعت أعداد النخيل من 30 مليون نخلة إلى نحو عشرة ملايين، وتذكر الدراسات البيئية أن تأثيرات حرق الابار النفطية شمل دول المنطقة برمّتها، ويُقال أنها "وصلت إلى جبال الهمالايا". من جانبه، فقد وصف الدكتور إسماعيل مدني (الأكاديمي والكاتب البحريني) الانعكاسات السلبية الناجمة عن حرب الخليج  الأولى والثانية قائلاً: "أن الدخان الأسود قد حوّل نهار الخليج إلى ليل مُعتم والامطار الدُهنيّة السوداء كانت من الظواهر الغريبة التي لم يرها سكان البحرين من قبل".  

وفي دراسة بحثيّة، قدّرت مُنظمة الأمم المتحدة أنه في الحرب على العراق عام 2003م استخدامت الولايات المتحدة وبريطانيا "ما يتراوح بين 1100 – 2200 طن من اليورانيوم المنضّب"، وهو ما أدى إلى انتشار "غبار إشعاعي" لوّث التربة والهواء، وشكّل تهديداً إشعاعياً خطيراً على صحة الإنسان والبيئة". وتشير التقارير إلى أن "هناك أكثر من 70 ألف عراقي قُتلوا نتيجة الألغام الأرضية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ووصل عدد الأيتام إلى مايزيد عن أربعة ملايين، وعدد الأرامل إلى ثمانية ملايين، وهناك أكثر من 3.6 ملايين مُعاق، بالإضافة إلى وجود 90 منطقة ملوثة إشعاعياً في جنوب العراق بسبب اليورانيوم المنضّب الذي استخدمته قوات التحالف إبّان غزو العراق"، فيما ارتفعت نسبة الوفيات بسبب الإصابة بالسرطان الناتج عن استخدام اليورانيوم المنضب إلى 75 في المئة بعد العام 2003". 

وفي سوريا، وصل عدد قتلى النزاع المسلح إلى أكثر من 250 ألف شخص، كما أصيب أكثر من مليون شخص، وشُرّد نصف السكان، وحسب منظمة الصحة العالمية فقد تدهورت خدمات الرعاية الصحية وقضى كثير من الأطفال نحبهم لاسباب سوء التغذية والحرق العشوائي لمخميات اللاجئين وهناك من هم ينامون في العراء دون مأكل ولا مأوى، وبسبب الحرب انخفض الانتاج الزراعي والحيواني وتقلّصت مساحات الاراضي المرويّة إلى 49 % وتعرضت إمدادات المياه للقطع واتبعت في الحرب سياسات التعطيش  وأصبح 70% من السكان لا يستطيعون الحصول على مياه صالحة للشرب، وهو ما اضطر البعض لشرب مياه الابار الملوثة، مما زاد من حدة امراض الاصابة بالاتهاب الكبدي الوبائي، واسهمت حركة الاليات العسكرية الثقيلة في تعرية التربة والقضاء على الغطاء النباتي. وتشير الدراسة إلى أن أم الغابات السورية تتعرض للحرق حيث قضت على أكثر من 50% من مساحات الغابات بسبب القصف العسكري والاحتطاب الجائر لاستخدامات الغابات للتدفئة وصناعة الفحم، كما تتعرض الحيوانات البرية مثل المها العربي والغزلان والطيور إلى الصيد الجائير أيضا.   

وإذا ما وليّنا بوجهنا نحو جنوب شبه الجزيرة العربية، تترائى لنا مأساة الإنسان والبيئة في أرجاء اليمن السعيد، وتجاوزاً لحالة عجز قطاع الخدمات عن التخلص من النفايات بالشكل السليم، وإضطرارهم إلى حرقها في الحارات وفي ساحات المُجمعات السكنية والتجارية، فهناك ما هو أدهي وأمّر يتمثل في  تسجيلها مُستويات غير مسبوقة في حالات الفقر والبَطالة والأُمِّية، وسوء التغذية. والتقارير الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة يُحذّر من أن اليمن أصبح على "شفير المجاعة"، حسث وصل عدد الأشخاص الذين إنعدام الأمن الغذائي إلى ما يقرب من خمسة ملايين شخص،  ومستوى الفقر "قفَز من 42 % إلى 54.5 % ، وبسبب النزاع فقَد أكثرُ من 1.8 مليون طفلٍ في سن الدراسة إمكانَ الوصول إلى المدرسة؛ وقد تم إغلاق ما يقرب من أربعة الاف مدرسة، وأدّى هذا عدم تمكّن ما يقرب من ثلاثة ملايين طفل يمني (47& من تلامذة المدرسة) من تلقّي تعليمهم،  وفي تقرير أخباري بثته قناة ال (بي بي سي الناطقة بالعربية) في  أكتوبر الماضي، شاهدتُ شخصياً حجم المُعاناة التي يعاني منها أهالي مدينة تعز حيث يدرسون أبنائهم في مدارس مُتهالكة تهدّمت أجزاء كثيرة من مرافقها بسبب شدة القصف الجوي، تفتقد إلى الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، ويتطّوع أهالي المدينة ليس بتدريس أبنائهم بل مساعدتهم في شراء حاجياتهم المدرسية ريثما توفر لهم ذلك. ووفقاً للتقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) يُعاني نحو مليوني طفل من سوء التغذية، وتُعاني المرأة اليمنية من مخاطر التحرّش والعنف الجنسي، ووفقاً لمفوّضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين فقد "فرّ أكثر من 190 ألف يمني من اليمن في بداية الصراع في مارس 2015، لجأ بعضهم إلى منطقة القرن الأفريقي بسبب قربها الجغرافي"، وهذه الأرقام المُقلقة هي بمثابة نداء "إستغاثة عاجلة" للعالم.  

وفي الشأن البيئي، وحسب التقارير الدولية فإن الحرب الدائرة باليمن ساهمت في تهديد عناصر الحياة الفطرية، ففي ظل ضعف الرقابة البيئية والانفلات الأمني، الذي نتج عنه تراخ في تطبيق التشريعات البيئية، تزايدت عمليات  الصيد الجائر للحيوانات البريّة المُهدّدة بالانقراض، من بينها النمور والفهود والغزلان والوعول، وبسبب الوضع الاقتصادي المُزري الذي يعيشه اليمنيون جرّ الكثير منهم إلى المُتاجرة بالحيوانات والطيور والنباتات البريّة.

وفي شمال أفريقيا، عاشت الجزائر خلال عقد التسعينات أزمة النزاعات المُسلّحة عُرفت ب"العشرية السوداء"، لا يُمكننا نسيان أحداثها الدموية حيث "راح ضحيتها 200 ألف جزائري، واعتقل فيها العشرات ممن زُجّ بهم في المُعتقلات، وقد وصفتهم منظمة حقوقية أهلية جزائرية ب"بالموتى الأحياء" لتعرضّهم لأمراض مُزمنة من بينها فقدان الذاكرة، وقد وصلت نسبة البطالة بين الشباب الجزائري 90%، والجزائر صاحبة أكبر احتياطي للمياه الجوفية تُعاني اليوم من العطش، وهو ما دفع بالجزائرين إلى الدعوة لحراك 2019م الذي لم يُحقّق جميع الأهداف المرجوة منه. 

وبحجم الاثار التي ترتّبت على الصراع المُسلح في الجزائر لم تُبدي حكومات جاراتها في شمال افريقيا أي اهتمام، فأشعلت تونس الخضراء "شمعة" ما أطلق عليه "الربيع العربي"، بعدما أضرم الشاب التونسي "أبو عزيزي" في 17 من ديسمبرم 2010م النار بجسده بسبب سوء الأوضاع الإقتصادية، ليتحوّل الشاب "أبو عزيز" إلى رمز لثورات الشعوب العربية ضدّ الظلم والفساد. ثم تتابعت ارتدادات هذه الثورة لتصل إلى جارتها ليبيا، للمطالبة بتنحّي العقيد القذافي، مثلما تنحّى قبله الرئيس المصري السابق حسني مبارك، مُؤكدين حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلميّة دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام. وبعد أن أُسدل الستار في 20 أكتوبر 2011 على نظام القذافي بإعلان إغتياله، بعد حكم دام 42 عاماً، عاشت ليبيا فوضى سياسية واقتصادية واجتماعية، ووفقا لتقارير الأمم المتحدة يحتاج ما يقدر بحوالي "مليونين ليبي إلى مساعدةٍ إنسانيةٍ عاجلة لتلبية احتياجات رعايتِهم الصحِّيةِ والغذائيةالأساسية"، بسبب اكتظاظ العديد من المستشفيات والتدنّي الكبير في قدراتها، ومواجهتها نقصًا حادًّا في الأدوية واللَّقّاحات والمُعِدّات الطِّبِّية، ناهيك عن الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، وتذكر المصادر بأنه "يوجد 250 الف مُهاجر ليبي يُواجهون الاعتقالات التعسفية والعمل القسري والاعتداءات الجنسية والاستغلال والابتزاز، وقد شهد عام 2015م غرق 2000 مهاجر في البحر الأبيض المتوسط خلال سعيهم البائس لعبور البحر وصولا إلى سواحل القارة الأوروبية".  

قُصارى القول: في زماننا العربي الراهن تتشابه مُعاناتنا الإنسانية والبيئية، زماننا مُكتنزٌ بالفواجع والمصائب والجوائح والمحن، وهذه ليست إلا إطلالة عابرة على بعض من أوضاعنا الراهنة التي تُبرهن على الحقائق المُرّة التي نعيشها ونحاول التعايش معها، ففي المشرق العربي وفي مغربه ما تزال حكومات دولنا تتنازع فيما بينها، ورُقع التنازع تتمدّد، والأخبار التي تتصدّر المشهد السياسي الحالي من إقليم تيغراي في أثيوبيا وإقليم الصحراء المغربية الذي يشهد توتراً بين المغرب وجبهة البوليساريو خير دليل على صدق ما نقول، وحكومات دولنا تعيش أسوأ أحوالها الاقتصادية بعدما تحوّلت من دول "فائض" إلى دول "عجز وديون"، والإنسان العربي بات هو "كبش الفداء" الذي يتحمّل تبعات هذا العجز ليعيش بين جماعات (ليس مجتمعات) مُشتّته ومُتنابذة تتفشى فيما بينها البطالة، وتتنامى مُعدّلات الأميّة، وتتزايد موجات الهجرات والتشّرد، وتفتقد بيئتنا العربية لعناصرها الأحيائية، وفي ظل هذا الوضع المتأزّم، تنزوي جامعة الدول العربية بنفسها وتحبس أنفاسها، وتبقى، كما ألفناها منذ نشأتها، في وضع المُتفرّج، تُصيغ بيانات التنديد، وتحوّل قاعاتها المنقوش على حيطانها ايات من الذكر الحكيم تدعو على الوحدة والاعتصام بحبل الله، تحولها إلى "أوكار" للمُؤامرات وحياكة قصص جديدة للتامر بين ساسة الأنظمة العربية، وتُبارك سياسات "التطبيع" مع العدو الصهيوني التي كانت على مدى عقود تُبرز كعلاقات "غرامية سريّة"، يحدث كل ذلك الان علناً على مرأى ومسمع الصغير والكبير دون استحياء أو تحسّب، عوضاً عن الخروج برؤية جامعة وموّحدة توقف نزيف "الجُرح العربي" الذي طال مداه وأمده من الخليج إلى المُحيط.

نحن نعلم من أن الكثير من زُملاء المهنة قد أطلقوا العنان لأقلامهم وأصواتهم، فزّج بهم في مُعتقلات وزنازين "المُستبدّ"، ومنهم من لم يبخلوا بالتضحية بحياتهم واثروا الاستشهاد وموارات أجسادهم وأرواحهم تُراب ساحات القتال، ألا أنه حريٌ بنا من أن نوضّح رُؤيتنا كمتابعين مُتخصصين في مجال الصحافة البيئية بأن  ضعف (أو رُبما غياب) التغطية الصحفية للاثار الإنسانية والبيئية للحروب نرجعها لعدة أسباب: يكمن أولها في غياب الصحافة المتخصصة، ويتمثل ثانيها في "فتور" الحسّ البيئي لدى القائمين على تحرير النشرات الاخبارية، نضف إلى ذلك بُعداً اخر يتمثّل في تضييق هامش الحريات الاعلامية ومنع الصحافة من الولوج إلى مواقع الصراع والحصول على بيانات دقيقة تُعينهم على صياغة المحتوى الخبري الشفّاف لهده النزاعات، علاوة على تمكّن بعض الأنظمة من تحويل أجهزتها الإعلامية إلى أدوات "قمع" لم يعد لطغيانها حد ولا مدى. والسؤال المُلحّ هنا: هل لدى حكومات دولنا بصيص أمل للخروج من هذا السقوط الإعلامي المُخزي المُهين والتيهان السياسي الذي يفضي إلى فوضى إنسانية وبيئية لم يسبق لها مثيل؟ ألم يخطر على بال أحدهم بما سُئل به أحد حكماء بني أميّة: كيف سقطت دولتكم؟ قال: "أمور صغار سلمناها لكبار، وأمور كبار سلمناها لصغار، فضعنا بين إفراط وتفريط، قرّبنا العدو طمعاً في كسب ودّه، وبعدنا الصديق ضامنين ولاءه، فنالنا غدر الأول وخسرنا ولاء الثاني"، ومتى سيعمل قادتنا بما نصح به المُتنبي: "من يهن يسهل الهوان عليه" وينظرون إلى حكمته بشيء من الجديّة والتعقّل؟.

هذا هو الحال الذي الت إليه ثرواتنا العربية (بشرية وبيئية)، وهذا هو وضع إعلامنا "المُدبّر"، ويبقى ما طرحناه في هذه المدونة "غيضٌ من فيض"، فكؤوس حكومات بُلداننا العربية ما تزال مُمتلئة بالعجائب والغرائب والفتن والمحن والرزايا، وما خفي أعظم، والأيام القادمة حبلى بالكثير والكثير من المُؤامرات والقصص الأخبارية...!.  

خور الملح موطن الذهب الأبيض

  تدوين: يحيى السلماني مع بداية فصل الصيف التي تمتد من مايو حتى شهر أكتوبر تنشط وتيرة انتاج الملح بالطريقة التقليدية في ولاية قريات. وبنهاية...