الجمعة، 9 أبريل 2021

النفايات الالكترونية: مخاطر تبحث عن حلول

تدوين: يحيى السلماني

اليوم، لا يُمكننا أن نتخيّل خلوّ أيّ بيت أو مبنى مؤسسّة من جهاز إلكتروني، كما لا يمكننا أن ننجز الكثير من مُعاملاتنا (شخصية ورسميّة) خارج نطاق المُجتمع الرقمي، فبيوتنا ومؤسساتنا تكتنز بأجهزة الحاسوب الالي، وأنامل أيادينا تنشغل أيّما انشغال بأزرارها، وعيوننا تُحدّق لساعات طوال مُتسمّرة أمام شاشات هواتفنا المحمولة (الموبايلات)، وأذهاننا مهووسةٌ بأجهزة الترفيه الالكترونية بمختلف أنواعها وماركاتها، وإن كان أمرٌ كهذا لا يمكن تخيّله قبيل عقدين من الزمن فقط، فقد أصبح اليوم واقعاً نعيشه ونتعايش مع ضروراته وتطوراته ومُتغيراته المُتسارعة، شئنا ذلك أن أبينا.   

إذن، لا جدال في أن الطلب على استخدام الأجهزة الإلكترونية يتزايد بوتيرة سريعة جداً، وهذه الزيادة هي بدون شك انعكاس مُباشر لمتطلبات الحياة العصريّة في مختلف المجالات: الوظيفية والإجتماعية والتعليمية والتسويقية والصحية والترفيهية وغيرها، ألا أن هذا التهافت على هذه الأجهزة التي أصبحت جزء هام من حياتنا اليومية قد أغفلنا عن البحث في اثارها الجانبية على صحتنا، كما أن هذا التهافت شغلنا عن البحث في مدى أثرها على سلامة عناصر البيئة الطبيعية المحيطة بنا.

تُشير الدراسات البيئية إلى أن هوس استخدام الاجهزة الالكترونية لساعات طويله قد تصل إلى ما لا يقلُ عن ثماني ساعات في اليوم، واستخدام الإنسان المُفرط لهذه الأجهزة يُسهم في زيادة ساعات الأرق وقلّة النوم والشعور بالتوتر، وضعف القدرات الإدراكيّة والدماغيّة. وتُشير تقديرات شركة (فيرجن موبايل)، إلى أنّ أربعة ملايين بريطاني يُعانون من الإلتهابات وضغف حاسّة السمع، بسبب استماعهم المتواصل إلى الموسيقى بصوت مرتفع.

ووفقًاً لدراسة حديثة أجرتها جامعة كامبردج، خلصت نتائجها إلى أن عشرات الالاف من الوفيّات في أوروبا كانت بسبب داء السمنة، وقلة النشاط والحركة بسبب الإدمان على الأجهزة الإلكترونية. وتشير الدراسات إلى إنّ الاستخدام المطوّل للشاشات، يؤدي إلى الإصابة بـ«متلازمة رؤية الحاسوب»، مع أعراض تشمل إجهاد العين، والرؤية المزدوجة وقصر النظر المؤقت، هذا ناهيك عن ارتفاع مستويات العنف عند الأطفال وتناقص حدّة الانتباه.

على المستوى البيئي، أغلب النفايات الإلكترونية إن لم يكن جميعها تحتوي على مركبات في غاية السميّة، فالتقارير العلمية تشير إلأى أنها تحتوي على 60 عنصرًا كيميائيًا مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ والكادميوم والبريليوم، كما تحتوي عل كميات من المعادن مثل النحاس والقصدير والفضة والذهب والبلاديوم، وجميعها تتسبب بالضرر الشديد بخصائص الهواء والمياه والتربة والنبات.   

التقرير الصادر عن منظمة الأمم المتحدة يشير إلى أن كمّية النفايات الإلكترونية والكهربائية التي ينتجها البشر سنوياً تبلغ نحو 50 مليون طن، أي نحو تسعة أضعاف وزن الهرم الأكبر في الجيزة. وقد قفز إنتاج الشخص من النفايات الإلكترونية سنوياً من 5.8 كيلوغرام في 2014 إلى 6.1 كيلوغرامات في 2016. ووفقاً لمعدلات الزيادة السنوية الحالية، يتوقع تقرير الأمم المتحدة أن تصل كمية النفايات الإلكترونية إلى 120 مليون طن سنة 2050. وتُسجّل الدول الغنية والمتقدمة أعلى نسب توليد للنفايات الإلكترونية، حيث يتجاوز إنتاج الفرد فيها 20 كيلوغراماً سنوياً. وتذهب غالبية هذه النفايات إلى مواقع التخلص العشوائي، وتتسرب إلى الطبيعة، وإن ما يتم تدويره وإعادة إستخدامه من هذه الأجهزة لا يزيد على 20 في المائة من مجمل الكمية المُنتجة.

أما في البلدان العربية، فتبلغ كمّية النفايات الإلكترونية المولدة سنوياً ثلاثة ملايين طن، ويصل متوسط ما ينتجه المواطن العربي من النفايات الإلكترونية سنوياً إلى 6.8 كيلوغرام، حيث ترتفع النسب في الدول الخليجية، إلى جانب لبنان والجزائر، إلى أكثر من 11 كيلوغراماً في السنة، وهي تقفز في السعودية والكويت والبحرين وسلطنة عُمان إلى أكثر من 15 كيلوغراماً.

على أرض الواقع، تُطبّق أغلب الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واليابان برامج لجمع النفايات الإلكترونية وتدويرها، حيث تزيد نسبة الاسترداد في الدول الإسكندنافية على 70 في المائة من كمية النفايات الإلكترونية، وتصل النسبة إلى 22 في المائة في الولايات المتحدة. وتعد سويسرا مثالاً جيداً على كيفية التعامل مع مشكلة النفايات الإلكترونية؛ فرغم ضخامة كمية النفايات الإلكترونية التي تولدها، حيث وصل وزنها إلى 223 ألف طن في سنة 2016 بمعدل 22.2 كيلوغرام للشخص الواحد، فإنها استردت 134 ألف طن من هذه النفايات، أي أن نسبة الاسترداد قاربت 72 في المائة. أما في فئة النفايات الإلكترونية الرقمية تحديداً، كالهواتف الجوالة، فقد وصل معدل التدوير إلى 95 في المائة.

اخر المُحاولات الناجحة لسياسات إعادة التدوير للمخلفات الإلكترونية تأتينا من أستراليا، حيث تمكّن مجموعة من الاستراليين من تحويل المواد الكيميائية التي تحتويها البطاريات المستعملة إلى أسمدة خاصة للمحاصيل والنباتات.

أما عربياً، فلا توجد لحدّ الساعة، تشريعات صارمة خاصة بإدارة النفايات الإلكترونية، وإنما تندرج فقط في إطار القوانين الوطنيّة الخاصة بالنظافة العامّة وإدارة النفايات الصلبة، ألا أنه توجد مبادرات عربية محدودة لجمع وتدوير النفايات الإلكترونية تتبناها في الغالب مبادرات الجمعيات المختصة بقطاع البيئة،  من بين هذه المبادرات على سبيل المثال لا الحصر: إنشاء «مركز التدوير» في مدينة دبي عام 2019 ، الذي يتمكن المختصون فيه من إعادة تدوير ما يقرب من 100 ألف طن سنوياً من النفايات الكهربائية والإلكترونية، وهي بادرة عربية تستحق التقدير والاستفادة منها كتجربة رائدة في هذا المجال.  

ما نود الإشارة إليه هنا هو أن الوضع الذي تعيشه السلطنة لا يقل عن مثيلاتها من دول العالم، خصوصاً وأن السلطنة تتيجه بشكل تدريجي نحو ما يطلق عليه ب"الحكومة الإلكترونية"، وهو ما سيتطلب من المجتمع مستقبلاً، مؤسسات وأفراد، أن يعتمدوا بشكل أساسي على الإجهزة الإلكترونية في تخليص مُختلف مُعاملاتهم اليومية في مُختلف المجالات.

في ظل هذا التوجّه، أليس من المُجدي تدارس بعض من الحلول التي تتبنّاها بعض الدول في مختلف أنحاء العالم؟ لماذا لا يتم البدء في تدشين مشاريع استثمارية للاستفادة من بعض مكونات المواد الإلكترونية التي تتميّز بقيمة اقتصادية. فعلى سبيل المثال: يُمكن إعادة استخدام المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة التي تدخل في مكّونات أجهزة الهواتف المحمولة. أليس من المُجدي أن نلحق بركب الدول التي تعمل منذ سنوات على الاستفادة من إعادة تدوير المواد البلاستيكية والزجاج والسيراميك المُستخدم في صناعة الاجهزة الالكترونية؟

 هُنا في عُمان، نرى أنّنا بحاجة ماسّة إلى دعم البحوث العلميّة والبيئية المُتصلة بهذا الشأن، ولا بدّ من تقديم الحوافز والتشجيع على البدء في تدشين مشاريع مُتخصصة لجمع وإدارة النفايات الإلكترونية، ونرى بأنه قد ان الأوان لإعداد برامج توعوية مُكثّفة للتخلص الامن من مثل هذه النفايات السامّة، والإسراع في وتيرة التثقيف الجادّ باثارها السلبية على صحة الإنسان والبيئة. وهو ما سيفتح في ذات الوقت فُرصاً جديدة للابتكار والاستفادة من عناصر هذه المخلفات، ويُسهم مستقبلاً في تنشيط "اقتصاد النفايات" بالسلطنة.   

 


الاثنين، 8 مارس 2021

حاراتنا القديمة ... حالة احتضار!

 

تدوين: يحيى السلماني

تُعدّ الحارات العُمانية القديمة إرثاً حضارياً يحكي تفاصيل التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي والمعماري للسلطنة. ما يُميّز هذه الحارات طرازها المعماري المبنيّ بالطين والحجارة والجص، كما تلعبُ أبوابها ونوافذها الخشبية بألوانها الزاهية دوراً كبيراً في إضفاء لمسة جمالية استثنائية لهذه الحارات، فالأبواب والنوافذ العتيقة التي تُزيّن بيوت هذه الحارات وحصونها وقلاعها ومساجدها وأسواقها التقليدية أصبحت مقصداً حيوياً للسوّاح ومُحبيّ اكتشاف أسرار التراث المعماري  العُماني من مختلف دول العالم.

اليوم، هذه الحارات يُخيّم عليها الهدوء، أبوابها التي ما تزال تحتفظُ بزينتها متاكلة، و "مراجيمها" موصدة، وأزقتّها خاوية، وأعمدتها تتهاوى، وأقواسها وجدرانها وأسقفها تتساقط، ناهيك عن أن غالبيّتها تحولّت إلى مساكن و"مخابئ" للعمالة السائبة، وساحاتها "معقّات" للنفايات، حدث كُلّ ذلك بعد نزوح أهالي هذه الحارات إلى مواقع لأحياء سكنية حديثة، تاركين خلفهم عشرات الحكايات لتُروى، ومئات الذكريات لتُوثّق، وإرثاً حضارياً ومعماريّاً يستحقُ العناية بتفاصيله، والالتفات إليه.    

أول ما يلمحه زائر هذه الحارات أبوابها التي تمتاز بثقل وزنها وتنوّع ألوانها، وتباين زخارفها ونقوشها الخشبية الرائعة، فأبواب المداخل الرئيسية لهذه الحارات وحصونها وقلاعها ومساجدها مُصممّة بشكل يتوافق مع مُعطيات الوضع السياسي والاجتماعي السائد خلال الحقب التاريخية القديمة التي تمتدّ لمئات السنين. وهو انعكاس لما شهدته السلطنة في مُختلف مناطقها من الصراعات السياسية والمُتغيرات الاجتماعية. ولهذا، تعكس هذه الأبواب حالات التغيّر هذه، فأبواب مداخلها الرئيسية التي تتزيّن بها واجهات هذه الحارات تتميّز بوجود باب أصغر حجماً تُقاس بنصف قامة الإنسان تقريباً، توفّر هذه الأبواب الأصغر حجماً مدخلاً ومخرجاً للأفراد حسبما يأذن حارس الحارة أو البيت أو الحصن بذلك، كما يُعدّ هذا النوع من الأبواب أحد الأساليب التي كانت تُتّبع خلال تلك الحقبة بهدف تشديد الحراسة وتأمين الرقابة الرصينة للدفاع عن أهالي الحارات أو ساكنيّ الحصون والقلاع، وبهذا الأسلوب يتجنّب الناس أي هجوم مُفاجئ. كما يُراعي في تصميم الأبواب الوضع الاجتماعي، حيث يحرص مُصمّم الأبواب على وضع مطرقتين على كل باب، إحداهما صغيرة والأخرى كبيرة. عندما يتم الطّرق باستخدام الطرقة الصغيرة يفهم أهل البيت أنها امرأة، فتقوم سيدة البيت بفتح الباب لها، أما عندما تستخدم الطرقة الكبيرة يُفهم أن الآتي هو رجل ليقوم رجل ويفتح له باب البيت. وهذا الأمر سائد في بعض الحارات القديمة في بعض الدول الإسلامية من بينها تُركيا على سبيل المثال لا الحصر، وهو أمرٌ قد وقفت عليه شخصياً خلال زياراتي المتوالية لهذا البلد العريق بتعاقب حضاراته الإنسانية.      

حسب المصادر التاريخية، أن أخشاب هذه الأبواب والنوافذ كانت تستورد من الهند وشرق أفريقيا. وهو مؤشّر لإزدهار الشق الاقتصادي بين السلطنة وهذه الدول، ويُعتبر خشب الساج أشهر أنواع الأخشاب المُستخدمة في مُختلف الحارات القديمة، ويُصنّف هذا النوع من الأخشاب بأنه خشب قويّ يُمكنه مُقاومة الحرارة والرطوبة ومُختلف التغيرات المناخية لأوقات وفترات طويلة، كما أنه مُقاوم للنمل الأبيض الذي عادة ما يتسبّب في تهميش المواد الخشبية، وتفادياً لذلك، فقد استخدم العُمانيون زيوت الأسماك تُطلى بها الأخشاب المستوردة لضمان استخدامها لفترات طويلة.

وتحظى الأبواب مكانة هامة في الحضارة والثقافة العُمانية. فغالبيّة الأبواب الخشبية بهذه الحارات والحصون والبيوت تتميّز بزخارف ونقوش قلّما نجدها في أماكن أخرى، ويمكن لزائر هذه الحارات أن يلفت نظره أن لكل باب هويتهُ الخاصة به، فأبواب بيوت العائلات المُثقّفة تتزيّن بالايات القرانية وعبارات أدبية وشعرية، وتُنقش على واجهاتها عبارات الترحيب، كما تُوّثق بها تواريخ بناء بعض من هذه المنازل. ويمكن لزائر هذه الحارات مُلاحظة بعض النقوش الخشبية على العتبات العُلوية للأبواب العُمانية، ومن بين النقوش السائدة رسومات أشجار النخيل والزهور التي تم نحتها بمهارة عالية خصوصاً على أبواب المداخل الرئيسية، كما تُرصّع بعض الأبواب بمسامير برونزية وحديدية مُزخرفة بأشكال مُتداخلة.   

المصادر تشير إلى أنه توجد بالسلطنة أكثر من ألف (1000 ) حاره، وخمسمائة (500 ) قلعة وحصن. يعود تاريخ بعضها إلى حقبة ما قبل الإسلام. وقد تم إدراج بعض منها في قائمة التُراث العالمي (اليونسكو). وبرغم من أن معظم هذه الحارات تُعاني منذ زمن من الإهمال بعد أن هجرها سُكّانها، ألا أن هُناك بوادر شخصية بدأت تطفو على السطح، حيث بادر في السنوات الأخيرة عدد من العمانيين بترميم بعض من البيوت في الحارات القديمة واستثمارها سياحياً، وهو مؤشّر إيجابي نتمنى من جهات الإختصاص دعم وتبنّي مثل هكذا مبادرات تصبّ في بوتقة الحفاظ على تُراث الوطن، وتُثري بالتالي الواجهة السياحية، وتخدم الصالح العام، وحاراتنا القديمة ستظّل تواقّة لترحّب بكل من يأتيها قاصداً ليُطرق أبوابها الموصدة فيدخل الفرحة بين زقاقها العتيقة، وينشر البهجة بين جنبات غرفها ومجالسها ومختلف مرافقها.           

 

 

 

الجمعة، 12 فبراير 2021

محروم وطاح في عصيدة ...!

 

تدوين: يحيى السلماني

لمحته، ليس كعادته، مُنزوياً في إحدى زوايا المقهى الذي اعتاد على ارتياده منذ سنين، ماسكاً بفنجان القهوة بين يديه، وكأنه يتحسّسُ شئ ما قد ضاع منه، وجدته مُرهقاً كئيباً، دنوت منه وربتُ على كتفيه ثم صافحته، التمعت عيناه مرحاً، وارتسمت في محيّاه ابتسامة كسيرة، بادلني التحيّة باضطراب وخجل، شعرت بحجم السأم الذي يتسلّل إلى روحه، والملل الذي يجتاح أحاسيسه.  

جلستُ إلى جانبه وتحدّثت معه، استذكرنا أياماً عشناها سويّاً بحلوها ومرّها، بأفراحها وأتراحها، بنجاحاتها وفشلها، بهدوئها وصخبها، بنورها وظلامها، بخيرها وشرّها...! سألته: أخبرني، ماذا عنك؟ بدأ حديثه هادئاً، لكنّه حمل بين طيّاته صيحات مُترعةٌ بالألم، وممزوجة بالسُخط، ومشحونة بالحنق والإمتعاض، صارحني خلال حديثه: "لطالما اعترتني نوباتٌ من الشقاء فقدتُ خلالها الرغبةُ في الحياة"، وأثناء حديثه حاول قدر الإمكان أن ينتقي كلماته ويُضفي عليها -كما عهدته في "رمسات" سابقة - لمسات مرح وابتهاج لا تخلو من دُعابة ساخرة، ثُم ألمح لي بنبرة صوت خافتة: نحن ضحايا من وصفهم المثل الشائع: "محروم وطاح في عصيده". بدوري تراجعتُ والتزمت الصمت و"لم أنبس ببنت شفه"، ثم قلتُ في نفسي: هو إذن كغيره، إحدى ضحايا خطأ لم يرتكبه.

بعد حديث لم يطل لأكثر من ساعة ونصف، أوجعني حال أحد رفقاء دروبي المهنيّة، إضطررتُ مُغادرة رفيق دربي وأنا أهمس مع نفسي أناشيد حفظناها سويّاً عن ظهر قلب، أناشيد تتغنى بجمال وحُب الوطن والطبيعة، غادرتهُ وهو ما يزالُ يفرك بيديه فنجان القهوة وكأنه يودّ التخلّص من الروائح الكريهة التي عكّرت صفو أجواء حياته مثلما يفرك "الشيف" يديه بعد الطبخ ببقايا القهوة ليتخلّص من روائح الثوم والبصل.  

عدت أدراجي مُثقل الفُؤاد، كسيرُ القلب، أخفيتُ ألمي كما لو لم يحدث شيئاً أو أسمع شيئاً، استلقيت مُرهقاً، مذهولاً، مهموماً، مذعوراً، مُتسائلاً: من الذي سيلقي بالاً على رفيق الدرب الذي باتت الحياة تعتصرهُ في أواسط عمره بأصابعها الصغيرة، وتنهشهُ بمخالبها الحادّة، متى سيأتي اليوم الذي ترتقي فيه "إنسانيّة" حكيمة تتمكّن من ردع تصرفات "الوحوش الكاسرة"، وتُنهي بإعجوبة مشروع "شريعة الغاب" السائدة...؟ أتساؤل مع نفسي وأنا ما أزال مُستلقياً: ما الذي أوصل الأمور إلى هذا الحدّ؟ ومن الذي يقف وراء كُل هذا الجور والضيم؟.

فقتُ من غفوتي، ثم مرّرت رسالة نصيّة قصيرة إلى رفيقُ دربي مُواسياً:

تيّقن أنّ الأيّام العسيرة ما هي إلا ساعاتٌ زائلةٌ، ستتلاشى مع مرور الزمن، وستستعيدُ بعد انقضائها صفو الحياة، وجميعُنا لا نملكُ في هكذا حالات إلا أن نرفع أيادينا مُبتهلين: "اللهم لا نسألك ردّ القضاء، ولكن نسألك اللُطف فيه"، اللهم امين...!.   

 

  

الجمعة، 8 يناير 2021

يومٌ لم نعشه بعد...!


تدوين: يحيى السلماني

لم يبق يومٌ من أيام السنة إلا وقد وُسم بعنوان أو رُبما بعناوين برّاقة وشعارات رنّانة، والمُناسبات التي تُلامس حياة الإنسان وموارد بيئاتنا الطبيعية تحظى بنصيبها "المدرار" من هذه العناوين وتلك الشعارات، فهناك يوم للبيئة (وطني وإقليمي ودولي)، ويوم و(ساعه) لكوكب الأرض، ويوم للكويكبات، ويوم لطبقة الاوزون، ويوم لنقاوة الهواء من أجل سماء زرقاء، ويوم للأرصاد الجوّية، ويوم للجبال، ويوم للتُربة، ويوم للتصحّر و(الأراضي الجافة)، واخر للمياه و(الأراضي الرطبة)، ويوم للتّنوع الأحيائي، ويوم للحياة الفطريّة، ويوم للموائل، ويوم للغابات، ويوم للشجرة، ويوم لسلامة الأغذية، ويوم للبُقول، ويوم للشاي، ويوم للأحياء البريّة، ويوم للطيور المُهاجرة، ويوم للنحل، وهناك يوم للمُحيطات، ويوم عالمي لمُكافحة الصيد غير القانوني، ويوم لسمك التونة، ويوم لضحايا الرقيق، ويوم عالمي للاتجار بالبشر، ويوم دولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات، ومن يتخيّل بأن هناك يوم دولي خاص لدورات المياه (المرحاض) وأكثر من نصف سكان العالم "يفتقرون" إلى مرافق صحيّة امنة، والقائمة طويلة، ليس لها حدّ ولا عدّ، ولا يمكن حصرها في سطور مُدوّنة، والمُحصّلة: "نسمع جعجعة ولا نرى طحينا".  

ولهذا، يحقّ لنا هُنا، كما يحقّ لغيرنا، أن نتسائل: إلى أيّ مدى يُسهم هذا الكمّ الهائل من المُناسبات "المُتزاحمة" في حلحلة أزماتنا؟ وما حجم الدور الذي تلعبهُ شعاراتها "المُستنسخة" العام بعد العام في التوعية بلزوم تحسين أوضاع موارد موائلنا الطبيعية؟ تلك المُناسبات مُجتمعة، بأيّامها ولياليها، تسعى مُؤسسّاتنا الوطنية ومُنظّماتنا الإقليمية والدولية منها إلى الدفع بمعدّلات الوعي الصحي والبيئي والنهوض بمستويات الوضعين الإنساني والاجتماعي، والاحتفاء بهذه المُناسبات يُعدّ بمثابة وقفات تثقيفية "ظنّت" هذه المُؤسسّات وما تزال "تظنّ" أنها قد تلعب أدواراً "أسطوريّة" في تعبئة مختلف شرائح المجتمع، كما "تكهّنت" تلك المُنظّمات وما تزال "تتكهّن" أن لديها من الإمكانيات ما يُمكنُها من إقناع الدوائر القيادية لمُعالجة الإشكاليات الوطنيّة وتطبيب الأزمات الدولية، وإلقاء حزم من الضوء على ما تُقدّمه للإنسانية والبيئة من إنجازات في هذا المضمار، ألا أن الظنون تبدو قد "خابت" والتكهّنات قد "أخفقت"، وبالتالي، غدى الاحتفاء بهذه المُناسبات مُجرّد مساحات مفتوحة "للبهرجة" الإعلامية، كما باتت مخارج مُستحدثة ومشروعه ل"إضاعة" الوقت و"إرهاق" الجُهد و"إهدار" للمال العام، وهي جميعها أمورٌ تُثير الاستغراب والتعجّب والاستنكار...!      

الحديث عن تفاصيل الأوضاع الإنسانية والصحية والبيئية قد يطول، فالبشر، وفقاً لمؤشّرات دولية، يعيشون في بيئات صحيّة واقتصادية ومعيشية وحقوقيّة وسيكولوجية سيئة للغاية، كما أضحت استمرارية بقاء عناصر موارد الطبيعة ونقائها من ماء وهواء وأشجار وحيوانات وطيور وأسماك وسلاحف ورخويّات ومُرجان وغيرها "رهينة" لعبث الإنسان واستنزافه "السافر" لموارد بيئته، واستهتاره "العلني" بعدما تَجَاسَرَ "الدوس" على القيّم الإنسانية، واِجتَرَأَ على ضرب التشريعات البيئية ب"عرض الحائط"، ولقد حاولنا جاهدين، على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، استقصاء ما أمكننا استقصاءه لأوجاع هذه الأوضاع، وحرصنا على تدوين تفاصيلها بكل شفافية في مقالات تحليلية سابقة، هذه المقالات حاولت قدر الإمكان مُلامسة الجوانب الأكثر عُمقاً في الجوهرين الإنساني والبيئي، وقد تضمّن طرحنا "وصفات" منطقيّة لتجاوز طائفة من الإشكالات على مختلف المستويات، ألا أن جلّ نصائحنا ووصفاتنا كانت بكل أسى وأسف ك"صرخة في وادي، ونفخة في رماد".  

يُدرك السواد الأعظم منّا أنّ مُؤسساتنا الوطنيّة ومُنظّماتنا الإقليمية والدولية وممّن يشغلون "مناصبها" من رؤساء وحدات و"أشباه" رؤساء وحدات، وخُبراء و"أشباه" خُبراء، ومُختصّين و"أشباه" مُختصّين هُم على علم ودراية تامّة بما يُعرض على "البلاتوهات" المفتوحة وما يُحاك في "كواليس" الصالات المُغلقة، لكنّ الواقع يشي بأنّ هُناك من يتقن تقمّص دور "الساذجة البلهاء"، فكم من مُبادرات قد أُعلن عنها في مُناسبات سابقة وقد "حال عليها الحول، وتعاقبت عليها السنون"، ولم ترى النور لأسباب تبدو هي الأخرى واضحة وجلّية، ولا تحتاج إلى مزيد من التحليل والتفنيد  والتشخيص، أهم تلك الأسباب، من وجهة نظرنا، إفتقار تلك المُبادرات (أو رُبما الإجتهادات) إلى الدقّة في إعدادها، وضعف الإرادة المُخلصة في متابعتها، وفتور العزيمة الصادقة أثناء تنفيذها.

إذن ما هو دليل محبّتنا لبيئات أوطاننا عندما "توهن" الإرادة و"تتثاقل" العزيمة؟ وأيّ بُرهان يُدلّل على صدق ما تتفوّه به أفمام أولئك ممّن تُوكل إليهم مهامّ تحسين هذا القطاع الحيوي؟ يبدو لنا بأنّ ممّن "يتصنّعون" التعاطُف مع الإنسان، و"يتشدّقون" بحبّ الطبيعة، يُراوحون منذ زمن أماكنهم بين صدر البيت الشعري وعجزه: "وكلٌ يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقرّ لهم بذاكا"، ويُروي لنا المثل الذائع: "فاقد الشيء لا يُعطيه" تفسيراً واضحاً وصريحاً لبيت الشعر المذكور.

 بالرغم من تمدّد سنوات العوز والشتات، وتمطّط مُستويات "شظف" حياة البشرية، وتنامي وتيرة "نكدها"، وتعاظم تدهور وضع الموارد الطبيعية، وتضاؤل عناصرها، وغزارة "ضرائها" في برّها وبحرها، ألا أنّنا، ونحن نبتغي اليوم التعايش مع أجواء الاحتفاء بيوم البيئة العُماني الذي كان لنا فيه نصيبٌ من شرف الإعداد والمُشاركة في تدشين أولى نسخاته "الكلاسيكية" في الثامن من يناير من عام 1997م، سنلزم أنفسنا "التزيّن" بفسحة من الأمل، مُتطلّعين إلى أن تُؤطّر نصوص البيانات الصحفية "المرشوقة" وترتقي مضامين الشعارات "المُنمّقة" هذه المرّة إلى مُستوى "الواقع المُعاش" الذي يُلامس قضايانا المُعاصرة لنتباهى فخورين بمُخرجاته أمام القاصي والداني، وبهذا التطّلع، سنظلّ مُستبشرين بمستقبل إنساني وبيئي أفضل، أكثر إشراقاً وأندى ازدهاراً من ذي قبل، مُتيمّنين بمقوله أديب المهجر، جبران خليل جبران، الذي غرس في ذواتنا التفائل حين سطّر ذات يوم قائلاً: "إنّ أجمل الأيام يومٌ لم نعشه بعد، وأجمل البحار بحرٌ لم ترتده أشرعتنا بعد"، اللهمّ إنّا نعوذُ بك أن نقول زورًا، أو نغشى فجورًا، وكُل عام وموائلنا البشريّة والطبيعية بألف خير...!.   

الخميس، 24 ديسمبر 2020

إليكم من محميّة القرم الطبيعية

 

تدوين: يحيى السلماني

لا ندري من أين جيئ بفكرة تدشين مشروع سياحة "التجديف" في محمية القرم الطبيعية؟ ومن الذي أيّدها؟ كما لا نعلم من هو "الرابح" الأول من فكرة الإستثمار السياحي لهذا النشاط في هذا الموقع بالذّات؟

ما نعلمه هو أن هذه المحميّة تُصنّف من أوائل المحميات التي تم الإعلان عنها بالسلطنة، ومنذ إنشائها في عام 1975م وهي تواجه الإنتهاك بعد الاخر، ولم تتوقّف هذه الانتهاكات عند حدود  التمدّد الحضري "العشوائي"، فالوحدات السكنية والتجاريّة، والشوارع وأرصفة الخراسانات الإسمنتية والإضاءة المُزعجة تُحيط بحدود المحمية من مختلف زواياها، بل أتي دور "العماله السائبة" التي "تسرح وتمرح" لتستبيح دونما "حسيب أو رقيب" الموارد البحرية "النفيسة" للمحميّة بدون تراخيص رسميّة، ثُم يكتمل مشهد الانتهاكات لهذه المحميّة عندما تتوالى علينا مشاهد دخول وخروج "مُمارسيّ رياضة المشي" في إحرامات المحمية  منذ ساعات شروق الصباح الأولى حتى أوقات الأصيل، ولهذا يأتي منح تصريح رسمي لممارسة نشاط التجديف في مياه المحميّة الضحلة ل"يزيد الطين بلّه"، ويضرب بكل الالتزامات والمبادئ البيئية عرض الحائط، والأدهى من كل ذلك والأمّر أن تتباهى صحافتنا المحلية ومنابر التواصل الاجتماعي بمثل هذه المشاريع التي لم تُدرس بتأن،  فضلاً عن انتقادها، وتسليط الضوء علي اثارها البيئية، ومُحاولة إيصال الرسالة الصائبة لذوي الاختصاص.

لا نتردّد هُنا عن التذكير بأن محميّة القرم الطبيعية  تقع على مساحة إجمالية تبلغ 1045,775 م2 (مليون وخمسة واربعين  ألف وسبعمائة وخمسة وسبعين م2)، وتتجلّى أولى الأهداف من إنشائها حماية غابات أشجار القرم التي تتلعب الدور الأساسي لتوفير الموائل الطبيعية المُناسبة لما يقرب من 27 نوعاً من القشريات، و48 نوعاً من الرخويات، و40 نوعاً من الأسماك، هذا بالإضافة إلى أنواع الروبيان، وسرطانان البحر، والمحاريّات، وهي، أي المحميّة، تأوي لما يزيد عن 194 نوعاً من الطيور المستوطنة والمُهاجرة، خصوصاً تلك القادمة من "أفريقيا وأوروبا"، وحسب البيانات الصادرة عن هيئة البيئة، ينمو في هذه المحميّة "نوع واحد فقط من أشجار القرم (المانجروف)  يطلق عليه "أفيسينا مارينا" (Avicennia marina)، وهو النوع الوحيد الموجود في السلطنة الذي يمكنه التأقلم مع الوضع المُناخي المحلي"، وما يميّز هذه المحميّة، حسب الدراسات الجيولوجية، بأنها تحتوي على منطقة أثرية تّدلّل على قدم ممارسة نشاط الصيد في هذه المنطقة قبل أكثر من 4,000 سنة، ولذالك، لم يكُن مُستغرباً بأن يتم إختيارها وإعلانها في عام 2012م "كأول موقع عُماني ذات أهمية دولية في مواقع رامسار".   

نرى كما يوافقنا الرأي اخرون، أن هذا المشروع السياحي لا يتوافق البتة مع مبادئ التشريعات الخاصّة التي يتضمنها "دليل المحميّات الطبيعية"، وهذا "التواطئ والتهاون" لا يُليق بنا إذا ما أدركنا بأن السلطنة قد صادقت على اتفاقية التنوع الأحيائي (البيولوجي) منذ عام 1994م، ولذلك، فمثل هكذا مشاريع أو أنشطة سيؤدي حتماً إلى فقدان المحميّة لعناصرها الأحيائية الفريدة بالتدريج، وهي ستؤثّر مُستقبلاً في نظرة المنظمات البيئية الإقليمية والدولية علينا. وإذا كان هذا هو وضع محميّة القرم التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن مقرّ "هيئة البيئة"، فما هو حال مواقع المحميّات الطبيعية التي تقع على بعد عشرات بل مئات الكيلومترات منها؟.     

إذن لا بدّ من النظر بجدّية في هذا الموضوع بما يتوافق مع أهداف خطط إدارة المحميّة من خلال الالتزام بتنظيم الأنشطة التنموية والترفيهية والسياحية في المناطق المحميّة ليس في منطقة القرم فحسب بل في مختلف محميات السلطنة التي تتناثر في كل شبر من برّ وبحر بلادنا الغالية علينا جميعاً بما يتلائم مع التشريعات البيئية (وطنية ودولية)، كما أصبح الأمر ضرورياً لتشديد دوريّات الرقابة على مداخل ومخارج المحميّة التي تبدو مفتوحة دون حراسة (خصوصاً الجهة المُقابلة للبحر)، وبدلاً من العبث بالموارد الطبيعية والجيولوجية لهذا الموقع الفريد، نتطلّع أن تُستثمر معطيات هذا الموقع خلال المرحلة المُقبلة في مجالات البحث العلمي (البيئي) لتُسهم المحميّة في تعزيز مستويات المعرفة البيئية لا حبّذا فيما يتصل بموارد البيئات البحرية بالسلطنة، هذا ما وجب الإشارة إليه، وللمختصين والمسؤولين عن القطاع واسع النظر.  

الخميس، 17 ديسمبر 2020

وصيّة "كنغه" ووفاء "ثورباس"

 

تدوين: يحيى السلماني

من تسنح له الفرصة لقراءة قصة "النورس والقط الذي علمه الطيران" للأديب التشيلي لويس سبلبيدا يدرك أنها ليست مجرد قصة مثيرة مليئة بالأحداث الساخنة التي تجذب قارئها من سطور صفحاتها الأولى، فهذه الحكاية التي توقظ الطفولة السحرية النائمة، تأتي إيفاءً للوعد الذي قطعه الأديب التشيلي على نفسه حينما وعد أبناءه ذات يوم بأن يكتب لهم قصة تشرح "المعاملة السيئة التي نتعامل بها نحن البشر مع محيطنا ، عندما نُخرّب الطبيعة وبالتالي نُخرّب أنفسنا"

ولم تكن هذه القصة المتميزة بدلالاتها العميقة محاولة من الأديب التشيلي "لأبتكار" دعابة جديدة يخدع بها أبناءه الصغار ليغطّوا في نوم عميق، بل تحمل بين طياتها رسالة إنسانية نبيلة مفادها أولا: أن الحفاظ على بيئتنا البحرية وعناصرها الطبيعية مسؤولية جميع فئات المجتمع، صغارا وكبارا، نساء ورجالا، أما ثاني أهدافها فيتمحور في أن هذه القصة التي تحكى وقائعها بألسنة الحيوانات، وبالتحديد بين حيوانين متناقضين " قط وطائر"، توضّح بشكل جلي إمكانية تحقيق أحد "المعادلات الصعبة" التي لم تتحقق بعد على يد الإنسان الموهوب بنعمتي العقل والحكمه.

تتلخّص أحداث القصة في سقوط أحد طيور النورس "كنغه" في مياه البحر، بعد مشوار طويل من الطيران، بهدف الاستلقاء والتقاط الأنفاس، ألا أنها فوجئت بأن محطة الأسترخاء هذه كانت ممزوجة ببقعة زيت كبيرة فرّغتها أحد بواخر النفط الضخمة التي تقذف بالبحر آلاف الليترات من مادتها الوبائية اللزجة، فالتصق النفط "اللعين" بريش ذيلها، وهو ما قلل من قدرتها على الطيران. توصف الحكاية النورس في هذه الوضعية كالتالي: "راحت تخفق بأجنحتها بيأس، فثقل طبقة النفط لم يكن يسمح لها بالطيران"، وبعد مسافة ليست بطويله ثقلت حركة جناحيها وبطئت سرعة طيرانها، وبهذا لم يطاوعها جناحاها في متابعة الطيران، فسقطت بالقرب من "ثورباس" وهو قط كبير لونه أسود وسمين.

وأثناء احتظارها، وهي تلتقي ب"ثورباس" نعبت النورس متشاكية: " لقد أدركتني موجة سوداء، الوباء الأسود، لعنة البحار، سأموت!!!!" ويحاول في هذه الأثناء "ثورباس" جاهدا أن يهدأ من روعها، ويتعاطف معها محاولا مساعدتها بشتى الطرق والوسائل، بقوله: "إرتاحي قليلا، وسترين كيف ستسترجعين قواك" ، بعد أن تيقنت النورس بأن القط الأسود رغم ضخامته يحمل نوايا حسنه ، سألته عن إمكانية الإيفاء بثلاثة وعود ، فأوصته قائلة: " عدني بأنك لا تأكل البيضة، عدني بأنك ستعتني بها إلى أن يولد الفرخ، وعدني بأنك ستعلمه الطيران"، وفي اللحظة التي تلفظ فيها النورس أنفاسها الأخيرة "تدحرجت بيضة بجانب جسدها المتشرّب بالنفط".

ورغم شدّة حُزنه، حرص القط "ثورباس" على تنفيذ وعد النورس الأم، فاحتضن البيضة بحرص شديد خوفاً عليها من الكسر، واعتنى بها رغم جهلة بالتعامل مع مثل هذا الوضع، حتى لا تلتهمها بقية الحيوانات، وهكذا "راح يغفو تحت أشعة الشمس الدافئة والبيضة المنقطة بالأزرق ملتصقة ببطنه الأسود".

وابتداءً من لحظات احتضان البيضة، ومروراً بتربية الفرخ الجديد وانتهاءً بمعاناة القط السمين "ثورباس" بتعليم النورس "محظوظة" مهمة الطيران، خلال جميع هذه المراحل عاش "ثورباس" أوضاعاً صعبه، تمثّل أولاها في عدم إلمامه بحياة الطيور، أما ثانيها: فشغل القط السمين باله بالتفكير العميق في كيفية الحفاظ على حياة النورس الصغيرة "محظوظه" بعيدة عن أي اعتداءات قد تسبّبه بقية الحيوانات، ففي الأولى، استعان القط السمين بأصدقائه الذين عاونوه في تجميع البيانات الخاصة بحياة الطيور بعد قراءة موسوعة علمية تشرح بالتفصيل حياة الحيوانات، أما طريقته في التغلب على الصعوبة الثانية، فكان "ثورباس" محنكا في كيفية التعامل مع بقية الحيوانات الطامعة في التهام البيضة، فحضانة البيضة لم تكن سهلة، حيث كان في كل صباح  يخبئ البيضة في "أصص النبات"، ونجح "ثورباس" أيضا بتفوق في تتبع التعليمات الفنية، وتعليم النورس الصغير "محظوظة" الطيران بعد عدة محاولات فاشلة، وفي نهاية المطاف تحقق الحلم واستطاعت "محظوظة" الطيران في ليل "هامبورغ" وهي تردد:" أنا أطير ياثورباس، أستطيع الطيران"، عندها بقي "ثورباس" يتأملها ويترقب حركة طيرانها "حتى لم يعرف ما إذا كانت قطرات المطر أم الدموع هي التي تبلل عينيه الصفراوين". إذن وفق "ثورباس" القط النبيل من إداء مهمته، بل تفوق على نفسه بالإيفاء بوعوده الثلاثة التي بدت له مستحيلة في الوهلة الأولى.

بعد هذا العرض المُقتضب لهذه الحكاية المليئة بالتفاصيل، يتبيّن لنا بأن الطيور تأتي في مقدمة الأحياء التي تتأثر مباشرة ببقع النفط، كما تبعث في نفوسنا – باعتبار أننا نعيش بأحد الدول الرئيسة المُصدّرة لهذه الطاقة، ضرورة أخذ الحيطة والحذر من مغبّة تفاقم هذه الظاهرة التي بدأت تدق ناقوس الخطر في سنواتها الأخيرة. تُؤكّد دراسات التحليلات النفطية على أن "نحو خُمس إنتاج العالم من النفط يمرّ عبر مضيق هرمز، فالمُضيق يستوعب من 20 إلى 30 ناقلة نفط يومياً، أي بما يُعادل ناقلة نفط واحدة في كل 6 دقائق مُحمّلة بنحو 40% من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم"، ولهذا، يُنبّه تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية إلى أن منطقة الخليج التي تستضيف أكثر من خمسمائة نوع من الطيور، هي من "أكثر مناطق العالم تعرضاً للتلوث" نظراً لتنامي المنشات البحرية وتوسّع موانئ تحميل الناقلات وارتفاع مستوى كثافة حركة النقل البحري للمواد النفطية، فتنتج عن حركة النقل البحري بالخليج "تسرّب حوالي مليوني برميل بترول سنوياً من التصريف الروتيني لماء الصابورة والمواد الملوثة من الناقلات ومن حوالي 800 منصة زيت وغاز، ولا تقتصر مشاكل بيئتنا البحرية على ما تفرغّه شاحنات النفط من سوائل، بل تشهد ممراتنا البحرية تهديدات مباشرة بتعطيل شاحنات النفط عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وتلوّح وسائل الإعلام بإعادة سياسات "حروب الناقلات" التي نشبت في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم، إذا ما واصلت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها سياسات "خنق" الاقتصاد الإيراني. 

ولو على حساب التكرار، ولكن للأهميّة، فإننا نشير في هذا الشأن إلى أن أكبر كارثة نفط بالتاريخ حدثت عندما غزا العراق الكويت عام 1990م، حيث حُرقت "أكثر من 613 من ابار النفط وانفجرت 67 بئراً أخرى، وقدّرت كمية النفط المحترق بما يعادل 8 مليون برميل ومائة مليون متر مكعب من الغاز"، كما أن التلوث النفطي الناتج عن حرب الخليج "قضى على 52 نوعاً من الطيور"، ناهيك عن تشويه المواقع الترفيهية الواقعة على المسارات  الساحلية للمنطقة.

إن الحديث في هذا الشأن قد يطول إذا ما أفسحنا الفرصة لتفاصيل تتعلق بمسار مضيق باب المندب عبر البحر الأحمر الذي يشهد هو الاخر حركة ملاحية نشطة، حيث يسمح بتمرير ما يقرب من 11% من نفط العالم المحمول بحراً، وقد أظهرت الدراسات البيئية أن "مُعدّلات الزيت في الكيلومتر المربع المسجلة في بيئة البحر الاحمر هي أعلى منها في أي بحر إقليمي اخر"، وتواجه منذ السنتين الأخيرتين تورّط المنشات وسفن ناقلات النفط بتفجيرات ملغومة لها من التأثيرات المباشرة على عناصر بيئتنا البحرية ما لم يُفصح عنه بعد، وها هي الأخبار تتوارد اليوم بشأن غوّاصات للكيان الإسرائيلي تواصل عبورها قناة السويس باتجاه الخليج بتصريح "مصريّ"، إضافة إلى غوّاصة هجومية أمريكية ومدمّرتين تابعتين للبحرية الأمريكية تتجهان في المسار ذاته، بحجّة "ضمان أمن الممرات البحرية بالمنطقة"، لكن من الذي سيتكفّل ضمان حماية موارد بيئاتنا البحرية إن حدث مالم يُحمد عُقباه؟. 

في رأينا، لم تقتصر هذه الحكاية على إشراك أطفالنا الهم البيئي، الذي تعيشه مختلف دول العالم، بل توقظ عند الفئة الناشئة والشابة والمنظمات الرسمية حب الانتماء إلى عالم الطبيعة بعيداً عن التلوث الحضاري والانحطاط البشري، فطريقة سردها للأحداث سلس وشيق، وهي تمنح قراءها فرصة إطلاق العنان ليتخيّلوا حجم الكارثة البيئية "الوباء الأسود" وأثرها على عناصر بيئتنا البحرية الجميلة، كما تؤكّد القصة على ضرورة التضامن والحرص على اتباع مبدأ التعاون ومنهج "العمل الجماعي" الذي دائماً ما يُقرن بالتوفيق مهما كانت ظروف المُهمّه صعبه وقاسية، ويبقى على قُرّاء هذه القصة الرائعة تقصّي رسالتها البيئية العميقة، والتمعّن في مضمونها الإنساني والأخلاقي الذي تحمله بين ثنايا سطورها.  

 

                            

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

العرب ينفضون أياديهم...!

 

تدوين: يحيى السلماني

تتوالى المشاهد التي تبثّها القنوات الفضائية عن العرب وهم "يُهرولون" إلى قاعات ومنصّات "الصفقات" العلنية، بعد أن انتقلت من مرحلة هلوسة المفاوضات "السريّة" خلال العقود المُنصرمة، ولا يمكن لنا إيجاد وصف يُليق بما نشاهدة إلا أن نصف أنظمتنا العربية "بالمُتراخية"، فمن كانوا يُمثّلون أمامنا رُموزاً للقوميّة العربية، هاهم اليوم "ينفضون" أياديهم من "قضيّة العرب" الأولى، ولم يعد ما يهمّ رؤوس أنظمتنا العربية إلا تأمين جلوسها على كراسي العرش، واستدامة أنظمتها الإستبدادية لأطول مدى ممكن.   

باختصار وبدون مقدمات، فقد "تملّص" قادة العرب من مسؤوليتهم القومية، والتزاماتهم الأخلاقية، بعدما أغرتهم أنظمة الدول المُتحالفة مع الكيان الصهيوني الغاصب بتقديم تسهيلات للحصول على صفقات تسلّح جديدة، ودعم سياسي واقتصادي مرحلي، وهي وعوداً كان المراد منها إبتزاز العرب وإرغامهم على السكوت والتزام الصمت والقبول ب "تهويد" القدس، وخرق كل الاتفاقات التي جاهد الفلسطينيون من أجلها منذ ما يزيد على 70 عاماً، يتجاوز العرب كل ذلك وهم يتغافلون بأن الله "يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار".

الغريب في كل ما يحدث أن وسائل إعلامنا تُهلّل وتُطّبل وكأننا نستبق العالم الاحتفاء بأعياد "الكريسماس" قبل موعدها بأيام،  ويبقى العرب "من ذوي النخوة" الذين لا حول لهم ولا قوة يتباكون نثراً وشعراً، يُندّدون ويشجبون ثم يتداولون ما تغتصّ به خواطرهم عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت الوحيدة، في ظلّ تزايد وتيرة غلواء السطوة الأمنية، من يوفّر لهم فُسحة من هوامش الحريّة للتعبير عن ما يجول في خواطرهم من كمد وحرقة وما تكتنز به أفئدتهم من غيض وحنق، بعدما أغرقتهم أنظمتهم  "المُستكينة" في  بحور من الخيال، وزجّت بهم في متاهات من الأوهام لعقود من الزمن، الأمر إذن أصبح جليّاً ولا يحتاج إلى "عرّافه" لتوضحه وبهذا، سيبقى الخطاب العربي في محافلنا العربية والدولية بمختلف نبراته ولكناته خطاباً "إنشائياً" لا يُقدّم ولا يؤخّر ولا يؤثّر،ولا نملك هنا إلا أن نصغي مجدداً لوصيّة الأديب والشاعر العربي نزار قبّاني التي نصحنا فيها ب:

إيّاك أن تقرأ حرفاً من كتابات العرب

فحربهم إشاعه، وسيفهم خشب

وعشقهم خيانه، ووعدهم كذب

قطع القول، نجزم بأن العرب يعيشون اليوم في "سديم" فكري وسياسي واجتماعي مُتناقض لا ثوابت له ولا قيم، ما نُشاهده اليوم "أماط اللثام" فأظهر حقائق تم تعتيمها لعقود، ها نحن على أعتاب سنة ميلادية جديدة، لا يفصلنا عنها سوى أيام، تُستعجل فيها عجلة التطبيع، وتُقاد رؤوس أنظمتنا العربية من "أذنيها" مرغومة، وفي ظل هذه الأجواء "الفضائحيّة" يتعاضم غضب الشارع العام، من هنا، لا نستبعد أن تعيش بُلداننا العربية عاماً جديداً يتسمّ بأسوأ مراتب التوتّر السياسي والفوضى الاقتصادية الذي سيقود بالتالي إلى مزيداً من البؤس الاجتماعي، والتدهورين الإنساني والبيئي، ولا نظن أن لدى القادة العرب ما يملكونه من أدوات للتخفيف من حدّة التوتر إلا الاستعانة ، كما عهدناهم دائماً، بخطاباتهم السياسة التي "لا تُسمن ولا تُغني من جوع".

في يوم ما، تغنّى الشاعر العراقي معروف الرصافي المعروف بمواقفه الثورية قائلاً:

لا يخدَعنْك هِتاف القوم بالوطن، فالقوم في السرّ غير القوم في العَلَن

أحْبُولة الدِّين ركَّت من تقادمها، فاعتاض عنها الورى أحبولة الوطن

فما لهم غير صيد المال من غرضٍ، في اليوم والغد والماضي من الزمن

لم يقصدوا الخير بل يستذرعون به، رميًا إلى الشر أو قصدًا إلى الفتن

فإن تهادن قوم فانتظر شغبًا، إذ ليس هدنتهم إلى على دخن

مرّت السنون، والعرب يعتصمون وينتفضون، يشجبون وينددون، يحرقون ويتحارقون، ثم يأتمرون ويتامرون، وهاهم اليوم يُجرّون ويستجيرون، وينفضون أياديهم ممّا كانوا به يتمسكون، وكل عام وأوطاننا بألف خير...! 

   

خور الملح موطن الذهب الأبيض

  تدوين: يحيى السلماني مع بداية فصل الصيف التي تمتد من مايو حتى شهر أكتوبر تنشط وتيرة انتاج الملح بالطريقة التقليدية في ولاية قريات. وبنهاية...